الشجاعة في وضع اللّٰه اولا
كان لرنة هاتفنا عند الساعة الثالثة صباحا صوت مخيف. لقد كان زميلا لأبي في العمل حضر قبل قليل اجتماع الفَيْلَق الاميركي. وكان مضطربا. «والي،» صاح على ابي، «ان لم تتصل بـ فيلادلفيا إنكوايرر فورا في وقت الطبعة الصباحية وتقُل انك ستؤدي تحية العلم، فسيهاجم الرعاع اليوم دكانك للبقول وعائلتك، ولن اكون مسؤولا عما يحدث!» وكان ابي وأمي قد ذاقا عنف الرعاع من قبل. واذ صارا يَقِظَيْن تماما الآن، ابتدأا بالصلاة.
وعند الفجر ايقظانا نحن الاولاد الستة. وقال ابي لأخي بيل ان يأخذ اخوتنا الاصغر الى بيت جدَّينا. ثم قمنا بيل وأنا بالمساعدة في العمل المنزلي والدكان كالمعتاد. وذهب ابي الى رئيس شرطة مَيْنِرزْڤِل وأخبره عن التهديد. وبسرعة وصلت سيارة شرطة ولاية پنسلڤانيا وتوقفت امام دكاننا وبقيت هناك طوال النهار. وابتدأنا بواجباتنا في الدكان وخدمنا الزبائن، ولكنَّ عيوننا كانت مركزة على الرصيف. وكانت قلوبنا تخفق كلما توقف فريق من الناس. ولكنَّ الرعاع لم يأتوا قط. ربما خمد غضبهم عند طلوع ضوء النهار — ولدى رؤية سيارة الشرطة!
نجد الحق
ولكن ماذا ادى الى هذه الحالة المتصاعدة؟ كان ذلك مرتبطا بديننا. فقبلا في سنة ١٩٣١، عندما كنت بعمر سبع سنوات، اتت جدتي وجدي ليسكنا عندنا لبعض الوقت. وكانا تلميذين للكتاب المقدس، كما كان شهود يهوه معروفين آنذاك.
ولم يقدِّم جدي الشهادة لأبي، ولكن عندما تكون جدتي وجدي خارج البيت، كان ابي يذهب الى غرفتهما لكي يرى ما في مطبوعاتهما. فيلتهمها! ويمكنني بعدُ ان اسمع صوته الملآن فرحا: «انظروا ما يقوله الكتاب المقدس!» لقد كان الحق مصدر سرور تام له. وقرأَتْ امي المطبوعات ايضا، وبحلول سنة ١٩٣٢، استقالت من الكنيسة المنهجية، وكان يُعقد معنا درس بيتي في الكتاب المقدس. وكنتُ مبتهجة جدا مثلهما تماما بالسماع عن الارض الفردوسية الرائعة القادمة. فجعلتُ الحق خاصتي من البداية.
وفي وقت متأخر من سنة ١٩٣٢، سألتني امي عما اذا كنتُ مستعدةً للخروج في عمل الكرازة من بيت الى بيت. وفي تلك الايام، كنا نذهب، صغارا كنا ام كبارا، الى الابواب وحدنا. وكنا نستعمل بطاقة شهادة. كنت اقول ببساطة: «صباح الخير، لديَّ رسالة مهمة. هل تريدون من فضلكم ان تقرأوا هذه؟» في البداية، اذا كان صاحب البيت غير متقبِّل ولو قليلا، كنت اكتفي بالقول، «حسنا، وداعا،» عندما ينتهي من القراءة.
وقبل مضي وقت طويل، اتت المقاومة. وفي ربيع سنة ١٩٣٥، قدَّمنا الشهادة في منطقة فيلادلفيا الجديدة. وأتذكر الوقوف على عتبة احد الابواب والتكلم مع رجل عندما اتت الشرطة لأخذي من هناك والآخرين الذين كانوا يشهدون. فبدا صاحب البيت مندهشا لانهم سيعتقلون هذه الفتاة البالغة من العمر ١١ سنة. فأخذونا الى مخفر الاطفاء المؤلف من طابقين. وفي الخارج احتشد رعاع يبلغ عددهم نحو ألف شخص وهم يصرخون. ومن الواضح ان الكنيسة انهت الخدمات الدينية باكرا ذلك الاحد لكي تشجع كل واحد على المساهمة. واذ جرى اقتيادنا عبر الحشد، لكمتني احدى الفتيات في ذراعي. ولكننا وصلنا الى الداخل بأمان، والحرس المسلحون منعوا الرعاع من تحطيم الباب.
كان هنالك ٤٤ منا يملأون مخفر الاطفاء، واضطررنا الى الجلوس على الدرج، ولم تكن حالتنا النفسية كئيبة؛ فقد أَفْرَحَنا ان نلتقي بعض الشهود من جماعة شناندوا الذين كانوا يساعدوننا في الكرازة في المنطقة. والتقيت إليانور والايتس هناك، وصرنا صديقتين حميمتين. وبعد ساعات قليلة، اطلقت الشرطة سراحنا.
قضية تحية العلم تحتل الصدارة
في محفل شهود يهوه الكوري المهم في واشنطن دي. سي. سنة ١٩٣٥، طرح شخص سؤالا على الاخ رذرفورد، رئيس جمعية برج المراقبة، يتعلق بما اذا كان يجب ان يؤدي اولاد المدرسة تحية العلم. فأجاب انه عدم امانة للّٰه ان ننسب الخلاص الى شعار ارضي بتأدية التحية له؛ وقال انه لن يفعل ذلك. وأثَّر ذلك في بيل وفيَّ. وتحدثنا عن ذلك مع والدَينا وناقشنا الخروج ٢٠:٤-٦، ١ يوحنا ٥:٢١، ومتى ٢٢:٢١. ولم يضغط امي وأبي علينا قط او يجعلانا نشعر بالذنب. وعندما فُتحت المدرسة في ايلول، كنا مدركَين جدا لما ينبغي ان نفعله. ولكن كلما كان الاساتذة ينظرون ناحيتنا كنا بخجل نرفع ذراعنا ونحرِّك شفاهنا. وكانت احدى مشاكلي انني كنت اخاف ان يتخلى اصدقائي العالميون في المدرسة عن صداقتي اذا اتخذت موقفي.
ولكن عندما زارنا بعض الفاتحين، اخبرتهم ماذا كنا نفعل. ولن انسى ابدا ما قالته احدى الاخوات: «ليليان، يهوه يكره المرائي.» وبعد ذلك في ٦ تشرين الاول، قدم الاخ رذرفورد برنامجا اذاعيا على الراديو في كل انحاء البلد عنوانه «تحية العلم.» وأوضح اننا نحترم العلم ولكنَّ اجراء طقوس امام صورة او شعار هو فعلا صنمية. وعلاقتنا بيهوه تمنع ذلك بحزم.
وفي ٢٢ تشرين الاول، اتى بيل، البالغ من العمر عشر سنوات فقط، الى البيت من المدرسة مبتهجا جدا. وقال بفخر: «توقفت عن تحية العلم!» وأضاف: «حاولَت المعلمة ان ترفع ذراعي، ولكنني ابقيتها في جيبي.»
وفي الصباح التالي، وقلبي يخفق، ذهبت الى معلمتي قبل حصة الصف لكي لا اضعف. «آنسة شوفستال،» قلت متلعثمة، «لا يمكنني ان اؤدي تحية العلم بعد الآن. فالكتاب المقدس يقول في الخروج الاصحاح ٢٠ انه لا يمكن ان يكون لنا آلهة اخرى امام يهوه اللّٰه.» ولدهشتي عانقتني وقالت كم انا فتاة عزيزة. وعندما كانت تأتي فترة القيام بطقس تحية العلم، لم اكن اشترك في التحية.a وسرعان ما ابتدأ كل شخص يحدق اليّ. ولكنني شعرت بالابتهاج. وكان يهوه هو الذي منحني الشجاعة لكي لا اؤدي التحية!
والفتيات اللواتي احببتهن كن خائفات. واقتربت مني واحدة او اثنتان لتسألا عن السبب، مما انتج محادثات جيدة. ولكنَّ معظم الاولاد ابتدأوا بتجاهلي. وعندما كنت اصل الى المدرسة كل صباح، كان يصرخ عدد من الصبيان قائلين، «اتت يهوه!» ويرشقونني بالحصى. وكان الجميع في المدرسة يراقبون لمدة اسبوعين. ثم قرر مجلس ادارة المدرسة ان يعمل. وفي ٦ تشرين الثاني، قابل مجلس ادارة المدرسة ابي وأمي ووالدَي صبي شاهد آخر. وأصرّ الناظر، الپروفسور تشارلز رودابوش، على ان موقفنا هو بمثابة تمرد؛ وسرعان ما وافق الآخرون في مجلس الادارة. وطردونا من المدرسة.
التعليم البيتي يبتدئ
لقد سمحوا لنا بأن نحتفظ بكتبنا المدرسية، ولذلك انشأنا فورا مدرسة بيتية في عليتنا، تشرف عليها شابة كانت تساعد امي في البيت. ولكن سرعان ما وصلت رسالة تقول انه ان لم يكن لدينا معلِّم يتمتع بالاهلية، فسيجري ارسالنا الى مدرسة اصلاحية.
وفي غضون ايام قليلة اتصل بنا هاتفيا پول وڤيرنا جونز، اللذان يملكان مزرعة تبعد ٣٠ ميلا (٥٠ كلم). وقال پول لأبي: «قرأنا ان ولديك طُردا.» وكانا قد ازالا حائطا بين غرفة الجلوس وغرفة الطعام لإنشاء غرفة صف. وقاما بدعوتنا الى المجيء. وثمة معلمة شابة من آلينتاون كانت مهتمة بالحق قبلت بشوق هذا العمل، على الرغم من ان ذلك عنى كسب مال اقل بكثير مما تقدمه المدارس العامة. وابتدأت مدارس للشهود مماثلة تتزايد بسرعة في كل انحاء الولايات المتحدة.
كان لعائلة جونز اربعة اولاد؛ ومع ذلك استقبلا على الاقل عشرة آخرين. وكنا ننام ثلاثة في السرير الواحد وكان الجميع يوافقون على تغيير وضع نومهم في الوقت نفسه! وثمة عائلة اخرى من الشهود في الجوار استقبلت العدد نفسه تقريبا، وسرعان ما ازداد حضور المدرسة حتى بلغ اكثر من ٤٠. وكان هنالك الكثير من المرح والقهقهة، ولكن كانت هنالك ايضا اعمال يومية. فكنا نستيقظ عند الساعة ٠٠:٦ صباحا. الصبيان كانوا يساعدون في الخارج، والبنات كن يقمن بواجبات المطبخ. وكان والدونا يأتون يوم الجمعة بعد المدرسة لأخذنا الى البيت لقضاء نهاية الاسبوع. وذات يوم وصل اولاد والايتس، ومعهم صديقتي إليانور.
استمرت مشاكل التعليم تنشأ. ومات الاخ العزيز جونز، لذلك استخدم ابي شاحنتنا الصغيرة كباص للمدرسة لنقلنا الى المدرسة التي تبعد ٣٠ ميلا (٥٠ كلم). ثم بلغ البعض منا سن المدرسة الثانوية واحتاجوا الى معلِّم يتمتع بالاهلية لذلك. ولكل عقبة، بدا ان يهوه يزوِّد حلا.
الذهاب الى المحكمة
في غضون ذلك ارادت الجمعية ان تحيل الاساءات المتعلقة بمسألة تحية العلم الى المحاكم. والمئات منا الذين كانوا قد اتخذوا موقفا صاروا الآن آلافا. فاختيرت العائلة تلو الاخرى، لكنَّ محاكم الولايات رفضت قبول النظر في قضاياهم. فجرى الاقتراب من عائلتنا، وقام محامي الجمعية ومحامي اتحاد الحريات المدنية الاميركي برفع دعوى الى المحكمة المحلية الفدرالية في فيلادلفيا في ايار ١٩٣٧. وعُيِّن تاريخ المحاكمة في شباط ١٩٣٨.
كان علينا بيل وأنا ان نشهد في المحكمة. ويمكنني بعدُ ان اتذكر مشاعر التوتر والخوف التي تولَّتْني عند توقع ذلك! فأطْلَعَنا محامي الجمعية مرة بعد اخرى على الاسئلة المحتمَلة. وفي دار المحكمة، ادلى بيل بشهادته اولا. فسألوه لماذا لا يؤدي تحية العلم، فأجاب مقتبسا من الخروج ٢٠:٤-٦. ثم اتى دوري. السؤال نفسه. وعندما اجبت، «١ يوحنا ٥:٢١،» اعلن المحامي المعارِض بصوت عال: «أعترض!» فقد شعر بأن آية واحدة كانت كافية! ثم ادلى الپروفسور رودابوش بشهادته، مدَّعيا اننا تشرَّبنا افكارا وأننا ننشر «عدم الاعتبار لـ . . . العلَم والبلد.» لكنَّ القاضي ألبرت ماريس قضى لمصلحتنا.
‹لا تحاولوا ابدا العودة الى المدرسة!› هذه كانت الرسالة من مجلس ادارة المدرسة. ‹فسنستأنف القضية.› وهكذا أُعيدت الى فيلادلفيا، وهذه المرة الى محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة. وفي تشرين الثاني ١٩٣٩، قَضَت المحكمة المؤلفة من ثلاثة رجال لمصلحتنا. فثارت ثائرة مجلس ادارة المدرسة. فإلى المحكمة العليا في الولايات المتحدة!
المحكمة العليا
لقد ابهجنا ان نسمع ان الاخ رذرفورد نفسه سيناقش قضيتنا! والتقاه فريق منا في محطة الاتحاد في واشنطن دي. سي.، في الليلة التي سبقت المحاكمة. ويا لها من لحظة! كان ذلك في نيسان ١٩٤٠ وكان الطقس لا يزال باردا. وفي اليوم التالي كانت قاعة المحكمة مكتظة تماما بشهود يهوه. وأخيرا اتى دورنا، وقام الاخ رذرفورد ليتكلم. لن انسى ابدا كيف شبَّهَنا نحن الاولاد الشهود بالنبي دانيال الامين، رفقاء دانيال العبرانيين الثلاثة، وشخصيات اخرى في الكتاب المقدس. لقد هزَّ كلامه المشاعر، وكان الحضور يصغون بانتباه شديد.
لم يخطر ببالنا قط ان قرار المحكمة لن يكون مؤاتيا. فقد ربحنا القضيتين السابقتين. ولكن في صباح ٣ حزيران ١٩٤٠، كنا امي وأنا نعمل في المطبخ والراديو يُصدِر ألحانا في الخلفية. وفجأة بدأت نشرة الاخبار. لقد اتخذ القضاة قرارا ضدنا — وليس بفارق قليل من الاصوات، بل بـ ٨ ضد ١! ووقفنا امي وأنا هناك جامدتين غير مصدقتين. ثم ركضنا الى الطابق السفلي لنخبر ابي وبيل.
اطلق هذا القرار موجة ارهاب يكاد يستحيل تخيلها. وفي كل انحاء البلاد، كان يُسمح باضطهاد شهود يهوه. لقد اعتقد الناس انهم يقومون بواجبهم الوطني بمهاجمتنا. وفي غضون ايام، أُضرمت النار في قاعة الملكوت في كِنِبِنك، ماين. وفي إيلينوي، هاجم الرعاع ٦٠ شاهدا وهم يكرزون، قالبين سياراتهم ومتلفين مطبوعاتهم. وفي منطقة شناندوا، پنسلڤانيا، كانت مكان تعدين الفحم، معامل الألبسة، والمدارس تقيم كلها احتفالات لتحية العلم في تعاقب سريع. وهكذا، طُرد الاولاد الشهود من المدرسة، وخسر والدوهم اعمالهم وكل ذلك خلال يوم واحد.
مواجهة الاضطهاد
كان في ذلك الوقت ان عائلتي تلقت التهديد بعنف الرعاع الذي وصفتُه في البداية. وبعد فشل ذلك بوقت قصير، اعلنت كنيسة مَيْنِرزْڤِل مقاطعة دكاننا. فقلَّ العمل فجأة. لقد كان مصدر رزقنا بكامله، وبحلول ذلك الوقت كان هنالك ستة اولاد في العائلة. وكان على ابي ان يستلف المال لتزويد ضرورات الحياة. ولكن بعد مدة خفَّت حدة المقاطعة؛ وعاد الناس من جديد لشراء البقول. والبعض قالوا ايضا بازدراء انه «كثير» على كاهنهم ان يقول لهم من اين يشترون البقول. ولكن خسرت عائلات كثيرة من الشهود اعمالها وبيوتها خلال تلك السنوات.
وفي احدى الامسيات كنت اعيد عائلتي بالسيارة من بعض دروس الكتاب المقدس. وما ان دخل امي وأبي الى السيارة، حتى خرجت عصابة مراهقين من المخبإ وأحاطت بالسيارة. وابتدأوا يفرغون الدواليب من الهواء. وفجأة رأيت الطريق مفتوحا امامنا، فدستُ دواسة البنزين، وانطلقنا! «ليليان، لا تفعلي ذلك ابدا مرة اخرى،» نصحني ابي. «فكان يمكن ان تؤذي احدا.» ومع ذلك وصلنا الى البيت آمنين وسالمين.
في كل هذا العنف المتسم بالتعصب، كانت الصحافة لمصلحتنا الى حد بعيد. فعلى الاقل دانت ١٧١ صحيفة رئيسية قرار تحية العلم لسنة ١٩٤٠. ومجرد صحف قليلة وافقت. وفي عمودها بعنوان «يومي» في الصحيفة، كتبت إليانور روزفلت، زوجة الرئيس، مدافعة عنا. ولكن لم يبدُ ان الامور ستُفرج قريبا.
التغيير اخيرا
ولكن بحلول سنة ١٩٤٢، شعر بعض قضاة المحكمة العليا بأنهم اخطأوا في اتخاذ القرار في قضيتنا. لذلك اثارت الجمعية قضية بارنِت، ستال، وماكلر، فريق من الاولاد الشهود الذين طُردوا من المدرسة في ڤرجينيا الغربية. واتخذت محكمة ڤرجينيا الغربية المحلية في الولايات المتحدة بالاجماع قرارا لمصلحة شهود يهوه! والآن، باستئناف من مجلس التربية للولاية، رُفعت القضية الى المحكمة العليا في الولايات المتحدة. وكانت عائلتنا هناك في واشنطن دي. سي. عندما رافع بقوة محامي الجمعية هايدن ك. كوڤينڠتون امام المحكمة العليا. وفي يوم العلم، ١٤ حزيران ١٩٤٣، صدر القرار، وكان ستة اصوات مقابل ثلاثة لمصلحة شهود يهوه!
وفي كل انحاء البلد، ابتدأت الامور تهدأ بعد ذلك. طبعا، كان هنالك بعض المقاومين بعناد الذين كانوا لا يزالون يجدون طرائق لجعل الحياة صعبة على شقيقاتنا الاصغر عندما عُدنَ الى المدرسة، ولكن في ذلك الوقت كنا بيل وأنا قد اجتزنا كثيرا سن المدرسة. وكانت قد مرَّت ثماني سنوات منذ اتخذنا موقفنا.
مهنة في خدمة يهوه
ولكن كان ذلك مجرد بداية لمهنتنا في خدمة يهوه. فصار بيل فاتحا بعمر ١٦ سنة. وإليانور والايتس (الآن ميلر) وأنا صرنا رفيقتين في الفتح وخدمنا في برونكس، نيويورك سيتي. وبعد سنة، ابهجني ان ابتدئ بالخدمة في بتل بروكلين، المركز الرئيسي العالمي لجمعية برج المراقبة. وهناك ايضا اقمت صداقات دامت مدى العمر.
وفي صيف ١٩٥١، كنت في المحافل الكورية في اوروپا عندما التقيت إرڤين كلوزِه. وفي احد التجمعات في المانيا، غنّى على نحو جميل هو وبعض الاخوة الالمان الآخرين لتسليتنا. وبحماس قلت له كم صوته جميل. فهز رأسه بلطف، واستمررت في التكلم. فلم يفهم كلمة مما قلت! وبعد اشهر رأيت إرڤين في بروكلين، نيويورك، في البتل، اذ سُجِّل في مدرسة جلعاد برج المراقبة للكتاب المقدس للتدرُّب على العمل الارسالي. ومن جديد تحدثت اليه مطوَّلا، مرحِّبة به في بروكلين، ومن جديد ابتسم بلطف. وكان لا يزال يجد من الصعب ان يفهمني! ولكننا اخيرا صرنا نفهم واحدنا الآخر. ولم يمضِ وقت طويل قبل ان نعقد خطبتنا.
صرت مرسلة وانضممت الى إرڤين في عمله في النمسا. ولكنَّ صحة إرڤين تدهورت بسبب المعاملة الوحشية التي كان قد تلقّاها على ايدي النازيين لأنه واحد من شهود يهوه. ففي الوقت الذي فيه طُردتُ من المدرسة، كان هو في السجون ومعسكرات الاعتقال.b وعدنا الى الولايات المتحدة في اواخر السنة ١٩٥٤.
نلنا في ما بعد فرح الخدمة حيث الحاجة اعظم وتربية ولدين جميلين في طرق يهوه. وعندما ذهب ولدانا الى المدرسة، رأيت ان الامور لم تتغير كاملا. فجرت مهاجمة جوديث وستيڤن كليهما بسبب اقتناعاتهما، وامتلأ قلب إرڤين وقلبي فرحا وفخرا عندما اظهرا هما ايضا الشجاعة في اتخاذ موقفهما الى جانب ما هو صائب. وكنت اجد دائما انه بحلول نهاية السنة المدرسية، كان اساتذتهما يدركون ان الشهود ليسوا فريقا متعصِّبا، وأقمنا معهم علاقات ودية جدا.
واذ اتطلع الى الوراء الى السنوات الماضية، يمكنني الآن بالتأكيد ان ارى ان يهوه بارك عائلتي. ويبلغ مجموعنا في الوقت الحاضر ٥٢ عضوا في العائلة يخدمون يهوه. وهنالك ثمانية نالوا مكافأتهم السماوية او ينتظرون القيامة الارضية، بمن فيهم والداي العزيزان، اللذان تركا ميراثا رائعا لوضع يهوه اولا في الحياة. وفي السنوات الاخيرة، فكرنا كثيرا في هذا المثال. وبعد ان عاش حياة فعَّالة ومثمرة، عانى إرڤين اضطرابا عصبيا-عضليا يقيِّده بشدة.
على الرغم من محن كهذه، نتطلع الى الامام الى المستقبل بفرح وثقة حقيقيين. ولم يندم قط ايّ منا في وقت من الاوقات على قرارنا ان نعبد يهوه اللّٰه بشكل مطلق. — كما روته ليليان ڠوبايتَس كلوزِه.
[الحاشيتان]
a يرغب شهود يهوه عموما في اظهار الاحترام للأقسام والاناشيد بطرائق لا تدل على المساهمة في اعمال العبادة الدينية.
b انظروا استيقظ! عدد ٢٢ تشرين الثاني ١٩٩٢، «لم يتمكن النازيون من ايقافنا!»
[الاطار في الصفحة ١٧]
لماذا لا يؤدي شهود يهوه تحية العلم؟
هنالك مبدأ عبادة يشدِّد عليه شهود يهوه اكثر مما تشدِّد عليه الفرق الدينية الاخرى: العبادة المطلقة. وذكر يسوع هذا المبدأ في لوقا ٤:٨: «للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد.» لذلك يختار الشهود ان يتجنبوا توجيه العبادة الى ايّ شخص او ايّ شيء في الكون غير يهوه. والمساهمة في تحية علم اية دولة هي بالنسبة اليهم عمل عبادة يتداخل في عبادتهم المطلقة ليهوه وينتهكها.
وتكرارا جرى تحذير الاسرائيليين والمسيحيين الاولين على السواء من عبادة ايّ شيء من صنع الانسان. ودينت هذه الممارسة بصفتها عبادة اصنام. (خروج ٢٠:٤-٦؛ متى ٢٢:٢١؛ ١ يوحنا ٥:٢١) فهل يمكن حقا اعتبار العلم صنما؟ اناس قليلون يحتجون جديا انه مجرد قطعة من القماش. وعلى نطاق واسع يُعتبر رمزا مقدسا، وأكثر من ذلك. وعبَّر المؤرخ الكاثوليكي كارلتون هايز عن ذلك بهذه الطريقة: «ان رمز القومية الرئيسي للايمان وهدفها المركزي للعبادة هو العلم.»
وهذا لا يعني ان شهود يهوه لا يحترمون العلم او اولئك الذين يؤدون التحية له. وعموما هم يقفون باحترام لمراسم كهذه ما دامت لا تتطلب منهم ان يساهموا. واعتقادهم هو ان المرء يظهر الاحترام الحقيقي للعلم بإطاعة قوانين البلد الذي يمثله.
يوافق معظم الناس على ان تحية العلم لا تضمن الاحترام له. أما صحة ذلك فأوضحته قضية في كندا. امر استاذ ومدير مدرسة فتاة صغيرة تؤدي التحية للعلم ان تبصق عليه؛ ففعلت ذلك. ثم امرا فتاة صغيرة شاهدة في الصف ان تفعل الامر نفسه، ولكنها رفضت بثبات. فبالنسبة الى شهود يهوه، إن احترام العلم هو مسألة مبدإ يتمسكون به بشدة. ولكنَّ عبادتهم هي ليهوه وحده.
[الصورة في الصفحة ١٦]
إرڤين وليليان في ڤيينا، النمسا، ١٩٥٤
[الصورة في الصفحة ١٧]
ليليان اليوم
[مصدر الصورة]
Dennis Marsico