الاجتماع
بما ان يهوه اللّٰه سيد الكون، فلديه الحق في ان يأمر خدامه بأن يجتمعوا وبأن يحدِّد مكان وزمان الاجتماع. وهو يفعل ذلك حرصا على مصلحتهم. صحيح ان اجتماعات شعب اللّٰه في الماضي اختلفت في اهدافها، غير انها ساهمت بدون شك في وحدتهم. فقد اتاحت لكل الحاضرين ان يسمعوا نفس الامور في نفس الوقت. ونجمت عن هذه الاجتماعات فوائد روحية كثيرة، وغالبا ما شعر المجتمعون بفرح كبير.
الكلمات العبرانية واليونانية: تُستعمل عدة كلمات عبرانية ويونانية في الكتاب المقدس للاشارة الى تجمُّع.
ترد الكلمة العبرانية موعيد ٢٢٣ مرة في الاسفار العبرانية، مثلا في عبارة «خيمة الاجتماع». (خر ٢٧:٢١) وهي تعني «الوقت المعيَّن» او «المكان المحدَّد». (١ صم ١٣:٨؛ ٢٠:٣٥) وترتبط كلمة موعيد بالاعياد الموسمية. (لا ٢٣:٢، ٤، ٣٧، ٤٤) وتَظهر في اشعيا ٣٣:٢٠، حيث تُدعى صهيون «مدينة مواسمنا».
تُشتق الكلمة العبرانية ميقراء، والتي تعني «محفلًا» او اجتماعًا، من الجذر قاراء (دعا). وهي ترد في اشعيا ٤:٥ التي تأتي على ذكر «محفل» جبل صهيون. ويكثر استعمال هذه الكلمة ضمن تعبير «محفل [او اجتماع] مقدس». (خر ١٢:١٦؛ لا ٢٣:٢، ٣) وخلال هذه الاجتماعات المقدسة لم يُسمح بالقيام بعمل من طبيعة دنيوية.
وهناك كلمة عبرانية اخرى تُنقل الى «محفل [او اجتماع] مقدس»، وهي عَصاراه. ويرتبط استخدام هذه الكلمة بعيدَي الخيام (المظال) والفصح. — لا ٢٣:٣٦ (الورود الثاني)؛ تث ١٦:٨.
اما التجمُّعات اللصيقة بمختلف اشكالها، فقد استُعملت لها الكلمة العبرانية سود، وتُرجمت الى «تهامس» و «صداقة». (مز ٨٣:٣؛ اي ٢٩:٤) ونُقلت الى «مجلس المقرَّبين» في ارميا ٢٣:١٨ التي تقول: «فإنه مَن وقف في مجلس المقرَّبين من يهوه ليرى ويسمع كلمته، ومَن التفت الى كلمته ليسمعها؟».
ترد الكلمة اليونانية سيناغوغي في اعمال ١٣:٤٣ («المجمع» او الاجتماع في المجمع) وفي يعقوب ٢:٢ («اجتماع»). وثمة كلمة يونانية اخرى هي پانِغيريس (من پان اي «كل» و أَغورا التي تشير الى اي نوع من التجمُّعات). وهي تُنقل الى «محفل عام» في عبرانيين ١٢:٢٣.
صحيح ان الاسفار المقدسة تورد تفاصيل كثيرة عن التجمُّعات البنّاءة روحيا، غير انها تأتي ايضا على ذكر مجموعات مكوَّنة بهدف خبيث او شرير. فهكذا كانت «كل جماعة» مؤيدي قورح المتمرد. (عد ١٦:٥) كما قال داود في صلاته ليهوه: «جماعة المستبدين طلبوا نفسي». (مز ٨٦:١٤) كذلك الامر عندما حرّض صائغ الفضة ديمتريوس الناس على بولس في افسس. فقد احتشد جمع، و «كان البعض يصرخون بشيء والبعض بشيء آخر؛ لأن المحفل [باليونانية إِكّلِسيا] كان في بلبلة، وأكثريتهم لا تعرف لأي سبب اجتمعوا». — اع ١٩:٢٤-٢٩، ٣٢.
تجدر الملاحظة ان تجمُّعات شعب يهوه تميزت بأنها منظمة. وكانت اعداد كبيرة تحضرها للاستفادة روحيا مما يجري فيها. وكثيرا ما نجم عنها فرح كبير.
تنفيذا لما أمر به اللّٰه، جمع موسى وهارون كل شيوخ اسرائيل في مصر. وذُكرت لهم كلمات يهوه وصُنعت عجائب، وآمن الشعب. (خر ٤:٢٧-٣١) وفي وقت لاحق، اجتمع الاسرائيليون بأمر من اللّٰه عند سفح جبل سيناء (حوريب). وهناك رأوا منظرا مذهلا وكانوا شهودا على إعطاء الشريعة. — خر ١٩:١٠-١٩؛ تث ٤:٩، ١٠.
عندما كان الاسرائيليون في الصحراء، أمر يهوه موسى بأن يصنع بوقين من فضة. وكان سيستعملها لدعوة الجماعة الى الاجتماع او الى الارتحال. اذا نُفخ في البوقين، كانت الجماعة كلها تجتمع الى موسى. اما اذا نُفخ في بوق واحد، فكان الزعماء فقط يجتمعون اليه. وكانت نقطة التجمُّع في الصحراء هي «مدخل خيمة الاجتماع». (عد ١٠:١-٤؛ خر ٢٩:٤٢) وفي وقت لاحق، وبحسب ما اوصى به يهوه، صار الاسرائيليون يجتمعون بانتظام في الهيكل في اورشليم، وذلك في ثلاثة اعياد سنوية اساسية. — خر ٣٤:٢٣، ٢٤؛ ٢ اخ ٦:٤-٦.
اجتماعات لممثلي الشعب: في بعض الاحيان، كان «زعماء الجماعة» (خر ١٦:٢٢؛ عد ٤:٣٤؛ ٣١:١٣؛ ٣٢:٢؛ يش ٩:١٥، ١٨؛ ٢٢:٣٠) او ‹الشيوخ› (خر ١٢:٢١؛ ١٧:٥؛ ٢٤:١) يمثلون شعب اسرائيل في الاجتماعات. وعند نشوء مسائل قضائية، كان عدد من الاشخاص يجتمعون عادةً عند بوابة المدينة. ولكن سواء اجتمعوا هناك او في مكان آخر، لم يعتمدوا طريقة التصويت الديمقراطي لعرض قرارهم بشأن القضايا المطروحة. فقد كان الشيوخ المحترَمون يعتمدون الطريقة الثيوقراطية: يزِنون المسائل على ضوء شريعة اللّٰه ثم يعلنون قرارهم. (تث ١٦:١٨؛ ١٧:٨-١٣) وقد جرت الامور بطريقة مماثلة في الجماعة المسيحية الباكرة، حيث كانت الجماعة ممثَّلة بأشخاص عيَّنهم الروح القدس في مراكز المسؤولية. (اع ٢٠:٢٨) وفي اسرائيل، كان يمكن للجماعة كلها ان تنفّذ حكم الإعدام إن تطلب الذنب ذلك. — لا ٢٤:١٤؛ عد ١٥:٣٢-٣٦؛ تث ٢١:١٨-٢١.
الاجتماعات العامة: تعددت في اسرائيل المناسبات التي دعت الى إقامة اجتماعات عامة، كالاعياد الدينية والمحافل المقدسة (٢ اخ ٣٤:٢٩، ٣٠؛ يوء ٢:١٥)، والاحداث ذات الطابع الوطني الهام. وكانت دعوة الناس تتم احيانا بواسطة العدائين. (١ صم ١٠:١٧-١٩؛ ٢ اخ ٣٠:٦، ١٣) كما ان السبت الاسبوعي، وهو يوم ‹راحة تامة ومحفل مقدس› (لا ٢٣:٣)، اعتُبر وقتا للتأمل في كلمة اللّٰه. وفي المجامع التي نشأت لاحقا، ‹كان موسى يُقرأ كل سبت›. (اع ١٥:٢١) وكان هناك ايضا احتفال في اول يوم من كل شهر (عد ٢٨:١١-١٥)، ويوم النفخ في الابواق (عد ٢٩:١-٦)، ويوم الكفارة السنوي (لا ١٦)، والفصح (إحياءً لذكرى إنقاذ اسرائيل من مصر؛ خر ١٢:١٤)، وعيد الفوريم الذي ابتُدئ به لاحقا (إحياءً لذكرى إنقاذ اليهود من خطر الإبادة في الإمبراطورية الفارسية؛ اس ٩:٢٠-٢٤) وكذلك عيد التكريس (في ذكرى إعادة تدشين الهيكل في ٢٥ كسلو ١٦٥ قم؛ يو ١٠:٢٢، ٢٣). بالاضافة الى ذلك، كانت هناك «اعياد يهوه الموسمية» الثلاثة: عيد الفطير وعيد الاسابيع (الذي دعي لاحقا يوم الخمسين) وعيد الخيام (المظال) (لا ٢٣). وبشأن هذه الاعياد أمر اللّٰه: «ثلاث مرات في السنة يظهر جميع ذكورك امام وجه الرب يهوه». (خر ٢٣:١٤-١٧) وقد رأى رجال كثيرون ان هذه الاعياد مفيدة جدا من الناحية الروحية، فحرصوا ان تحضرها العائلة بأسرها. (لو ٢:٤١-٤٥) كذلك قال موسى انه كل سبع سنين، خلال عيد الخيام، ينبغي للرجال والنساء والاولاد والاجانب في اسرائيل ان يجتمعوا في المكان الذي يختاره يهوه «لكي يسمعوا ويتعلموا، اذ يجب ان يخافوا يهوه إلهكم ويحرصوا ان يعملوا بجميع كلمات هذه الشريعة». (تث ٣١:١٠-١٢) اذًا كانت هناك مناسبات كثيرة يجتمع فيها الاسرائيليون ليتأملوا في كلمة يهوه ومقاصده. — انظر «العيد».
بعد إنهاء بناء الهيكل، جمع سليمان حشدا كبيرا في اورشليم بمناسبة تدشين هذا الصرح الديني الباهر. وقد دام هذا الاجتماع عدة ايام. وعندما صُرف الشعب الى بيوتهم، كانوا «فرحين وطيبي القلب بسبب الخير الذي صنع يهوه نحو داود ونحو سليمان ونحو اسرائيل شعبه». — ٢ اخ ٥:١–٧:١٠.
كان المحتشدون الكُثر في الهيكل خلال الاعياد السنوية ينالون فوائد روحية وسط فرح شديد. فعند الاحتفال بالفصح في ايام الملك حزقيا، «كان فرح عظيم في اورشليم». (٢ اخ ٣٠:٢٦) وفي ايام نحميا أُقيم اجتماع نجم عنه «فرح عظيم جدا». (نح ٨:١٧) فأمام الناس المجتمعين في اورشليم، قرأ عزرا من سفر شريعة موسى على «كل ذي فهم ليسمع»، وقد استمعوا بانتباه لما يقرأه. (نح ٨:٢، ٣) ونتيجة الارشاد الذي قدمه عزرا ولاويون آخرون، فرح كل الشعب «لأنهم فهموا الكلمات التي علموهم اياها». (نح ٨:١٢) وبعد ذلك احتفلوا بعيد الخيام، وفي اليوم الثامن كان هناك اجتماع مقدس، مثلما هو مطلوب. — نح ٨:١٨؛ لا ٢٣:٣٣-٣٦.
الاجتماع في المجامع: نشأت المجامع، وهي اماكن الاجتماع عند اليهود، حين كان اليهود اسرى في بابل او بُعيد ذلك. ثم صارت تظهر في مختلف الاماكن، حتى ان المدن الكبرى ضمت اكثر من مجمع واحد. كانت المجامع بشكل اساسي عبارة عن مدارس لقراءة وتعليم الاسفار المقدسة. وكانت ايضا اماكن للصلاة ولتسبيح اللّٰه. وكان من عادة يسوع المسيح وتلاميذه ان يدخلوها ليعلّموا الحاضرين هناك ويشجعوهم. (مت ٤:٢٣؛ لو ٤:١٦؛ اع ١٣:١٤، ١٥؛ ١٧:١، ٢؛ ١٨:٤) وبما ان الاسفار المقدسة كانت تُقرأ بانتظام في المجامع، قال يعقوب للهيئة الحاكمة المسيحية في اورشليم: «ان موسى، منذ الازمنة القديمة، له في مدينة بعد اخرى من يكرز به، لأنه يُقرأ بصوت عال في المجامع كل سبت». (اع ١٥:٢١) وهذه الامور التي تجري في المجامع لتقديم العبادة انتقلت الى اماكن اجتماع المسيحيين. ففي اجتماعات المسيحيين ايضا كانت تُقرأ وتُشرح الاسفار المقدسة، ويُمنح التشجيع، وتُلقى الصلوات، ويُعطى التسبيح للّٰه. —١ كو ١٤:٢٦-٣٣، ٤٠؛ كو ٤:١٦؛ انظر «المجمع».
الاجتماعات المسيحية: كثيرا ما احتشدت جموع كبيرة حول يسوع المسيح. وقد نالوا فوائد كثيرة كما كانت الحال في الموعظة على الجبل. (مت ٥:١–٧:٢٩) ومع ان هذه التجمُّعات لم تكن مثل الاجتماعات المخطط لها مسبقا، فقد طالت في بعض الاحيان مما استلزم إطعام المجتمعين. وقد عالج يسوع الامر بإكثار الطعام عجائبيا. (مت ١٤:١٤-٢١؛ ١٥:٢٩-٣٨) غالبا ما كان المسيح يجمع تلاميذه ويزودهم بالارشاد الروحي. واستمر أتباعه يجتمعون بعد موته، كما في يوم الخمسين سنة ٣٣ بم، عندما سُكب الروح القدس على المجتمعين. — اع ٢:١-٤.
كان من عادة المسيحيين الاولين ان يجتمعوا معا، وذلك ضمن مجموعات صغيرة عادةً. ولكن كانت اجتماعاتهم تضم احيانا «جمعا غفيرا». (اع ١١:٢٦) وقد حذر يعقوب، اخو يسوع من امه، الاسرائيليين الروحيين من اظهار التحيز للاغنياء خلال انعقاد اجتماع (باليونانية سيناغوغي) عام للجماعة. — يع ٢:١-٩.
اهمية الاجتماعات: من المهم جدا ان يحضر المرء الاجتماعات التي يأمر بها يهوه لنيل الفوائد الروحية. ويُرى ذلك من الاحتفال بعيد الفصح السنوي. فقد كان القتل مصير اي ذَكر يهمل الاحتفال بالفصح إن كان طاهرا وغير مسافر. (عد ٩:٩-١٤) وعندما دعا الملك حزقيا سكان يهوذا وإسرائيل الى اورشليم للاحتفال بالفصح، ذكر في رسالته: «يا بني اسرائيل، ارجعوا الى يهوه... لا تصلبوا اعناقكم كآبائكم. أذعنوا ليهوه وهلموا الى مقدسه الذي قدّسه الى الدهر واخدموا يهوه إلهكم، فيرتدّ عنكم اتّقاد غضبه. ... لأن يهوه إلهكم حنان ورحيم، ولا يحوّل وجهه عنكم إن رجعتم اليه». (٢ اخ ٣٠:٦-٩) فتعمُّد عدم الحضور كان دليلا واضحا على ان الشخص ترك اللّٰه. وفي حين ان المسيحيين لا يحفظون اعيادا كالفصح، فقد حضّهم بولس على عدم ترك اجتماعات شعب اللّٰه، اذ قال: «لنراعِ بعضنا بعضا للتحريض على المحبة والاعمال الحسنة، غير تاركين اجتماعنا، كما هو من عادة البعض، بل مشجعين بعضنا بعضا، وبالاكثر على قدر ما ترون اليوم يقترب». — عب ١٠:٢٤، ٢٥؛ انظر «الجماعة»، «المحفل المقدس».