الصبر — لماذا نادر الى هذا الحد؟
كان إميليو في ستيناته.a وقد جاء الى أُوواهو في مهمة حزينة — لدفن ابنه الراشد. وبينما كان إميليو يمشي في طريق هادئ في منحدر تلة ويتكلم مع بعض اصدقائه، فاجأته سيارة تنطلق الى خلف بسرعة بالغة وهي تخرج من طريق خاص. وكادت السيارة تصدمه، فصاح إميليو على السائق وضرب السيارة بيده بدافع الغضب وقِلَّة الصبر. وتبع ذلك نزاع. ويبدو ان السائق دفع إميليو، الذي وقع وارتطم رأسه بالرصيف الصلب. وبعد ايام قليلة مات إميليو من اثر اصابته في الرأس. يا لها من نتيجة محزنة!
اننا نعيش في عالم حيث الصبر مزية نادرة. فالمزيد والمزيد من سائقي السيارات يقودون بسرعة بالغة. وآخرون يقودون سياراتهم مباشرةً خلف سيارات اخرى تسير بأقصى حدّ مباح للسرعة. وآخرون ايضا ينتقلون تكرارا من مسرب الى آخر لأنه لا يمكنهم تحمُّل البقاء وراء سيارة اخرى. وفي البيت يطلق اعضاء العائلة العنان لنوبات الغضب الشديد ويصبحون عُنُفا. وحتى بعض المسيحيين يمكن ان يتضايقوا بإفراط بسبب نقائص اخوتهم الروحيين او اخطائهم.
فلماذا الصبر نادر الى هذا الحد؟ هل كان دائما كذلك؟ ولماذا من الصعب جدا ان نكون صبورين في زمننا؟
امثلة لعدم الصبر
يخبر الكتاب المقدس عن امرأة لم تنتظر لتستشير زوجها قبل اتخاذ قرار خطير. كان اسمها حواء. ومن دون ان تنتظر آدم، ربما الى حدّ ما بسبب عدم الصبر، اكلت الثمرة المحرَّمة. (تكوين ٣:١-٦) وماذا عن زوجها؟ يُحتمَل انه اظهر هو ايضا عدم الصبر باتِّباعه حواء الى الخطية دون الاقتراب اولا الى ابيه السماوي، يهوه، طلبا للمساعدة او التوجيه. وجشعهما، الذي يُحتمَل ان يكون مرتبطا بعدم الصبر الذي ادَّى الى الخطية، كانت له عواقب مميتة لنا جميعا. وقد ورثنا ايضا عنهما الميل الى ارتكاب الخطايا، بما فيها التكبر وعدم الصبر. — رومية ٥:١٢.
بعد ٥٠٠,٢ سنة تقريبا من خطية ابوينا الأولين اظهر شعب اللّٰه المختار، الاسرائيليون، قلَّة ايمان متأصِّلة ومتواصلة، بالاضافة الى عدم الصبر. فمع ان يهوه كان قد انقذهم بأعجوبة من العبودية في مصر قبل وقت قصير، «نسوا اعماله» في الحال و «لم ينتظروا مشورته.» (مزمور ١٠٦:٧-١٤) فارتكبوا الخطايا الخطيرة، واحدة بعد اخرى، لأنهم لم يكونوا صبورين. لقد صنعوا عجلا ذهبيا وعبدوه؛ تذمَّروا على التدبير المادي للمنّ الذي جعله يهوه لهم؛ حتى ان كثيرين منهم تمرَّدوا على موسى، ممثِّل يهوه المُعيَّن من قبله. حقا، لقد ادَّى بهم عدم صبرهم الى الحزن والكارثة.
خسر شاول، اول ملك بشري لاسرائيل، فرصة جعل ابنائه خلفاءه الملكيين. ولماذا؟ لأنه فشل في انتظار النبي صموئيل، الذي كان من المفترض ان يقدِّم ذبيحة ليهوه. فخوف الانسان جعل شاول يسبق صموئيل في تقديم الذبيحة. وتصوَّروا كيف شعر دون شك عندما اقبَل صموئيل مباشرة بعدما اكمل شاول الاجراء! يا ليته انتظر فترة اطول قليلا! — ١ صموئيل ١٣:٦-١٤.
ليت حواء انتظرت آدم عوضا عن تناول الثمرة بتهوُّر! وليت الاسرائيليين تذكَّروا ان ينتظروا مشورة يهوه! نعم، كان يمكن للصبر ان ينقذهم وإيانا من كثير من الحزن والالم.
اسباب عدم الصبر
يساعدنا الكتاب المقدس على فهم سبب رئيسي لعدم الصبر اليوم. تصف تيموثاوس الثانية الاصحاح ٣ ان جيلنا يعيش في «ازمنة صعبة.» وهي تقول ان الناس «يكونون محبِّين لأنفسهم محبِّين للمال متعظمين مستكبرين . . . (بلا ضبط نفس) شرسين غير محبِّين للصلاح.» (العددان ٢، ٣) ان مثل هذا الموقف الجشع والاناني يصيب قلوب وعقول كثيرين من الناس، جاعلا ممارسة الصبر صعبة على الجميع، حتى على المسيحيين الحقيقيين. فعندما نرى اناسا عالميين يقودون بسرعة كبيرة او يقفون امام آخرين ينتظرون في صفوف او يرشقوننا بالاهانات، يمكن ان يُمتحن صبرنا الى اقصى حدّ. وقد نُغوى لتقليدهم او للانتقام منهم، منحطّين بذلك الى مستوى غرورهم الاناني.
احيانا تكون استنتاجاتنا الخاطئة هي السبب في فقداننا الصبر. لاحظوا كيف وصف الملك سليمان الحكيم العلاقة بين التفكير المعيب الطائش والتصرّف الغضوب العديم الصبر: «(الصبر) خير من تكبُّر الروح. لا تُسرع بروحك الى الغضب لأن الغضب يستقرّ في حضن الجهّال.» (جامعة ٧:٨، ٩) اذا صرفنا الوقت للحصول على صورة شاملة ودقيقة للحالة قبل التصرّف، فمن المحتمل ان نكون اكثر تفهّما، اكثر تعاطفا، اكثر صبرا تجاه الآخرين. ومن جهة اخرى، قد تجعلنا الروح المتكبرة والانانية متعصبين، عديمي الصبر، وقساة كالإسرائيليين المتذمرين والصِّلاب الرقبة الذين عذَّبوا موسى. — عدد ٢٠:٢-٥، ١٠.
والسبب الآخر لعدم الصبر المتزايد في هذا العالم هو حالته الميؤوس منها نتيجة بُعده عن يهوه. عبَّر داود عن حاجة الانسان الى الرجاء بيهوه: «انما للّٰه انتظري يا نفسي لأن من قِبَله رجائي.» (مزمور ٦٢:٥) لدى كثيرين من الناس الذين لا يعرفون يهوه وجهة نظر محدودة وكئيبة، لذلك يحاولون ان يحصلوا على ايّ مقدار ممكن من المتعة والربح قبل ان يموتوا. وكأبيهم الروحي، الشيطان ابليس، غالبا ما لا يبالون كم يمكن ان تؤذي تصرفاتهم الآخرين. — يوحنا ٨:٤٤؛ ١ يوحنا ٥:١٩.
لا عجب ان يكون الصبر نادرا الى هذا الحد اليوم. فنظام الاشياء الشرير والاناني هذا الهه الشيطان، والميول الشريرة لجسدنا الناقص تجعل من الصعب على الجميع، وحتى على الاشخاص المخلصين، ان يكونوا صبورين. ومع ذلك ينصحنا الكتاب المقدس بأن ‹نمارس الصبر،› وخصوصا في ما يتعلق بإتمام مقاصد اللّٰه. (يعقوب ٥:٨، عج) ولماذا الصبر ثمين جدا؟ اية مكافآت يمكن ان يجلبها لنا؟
الصبر — لماذا هو ثمين جدا
«ان الذين يحتملون بصبر وينتظرون الفرص هم ايضا يخدمون.» تلفَّظ بهذه الكلمات الشاعر الانكليزي جون مِلْتون منذ اكثر من ثلاث مئة سنة في قصيدته «عن عماه.» وقبل ذلك في القصيدة، عبَّر عن خيبته وقلقه ازاء شعوره بعدم قدرته على خدمة اللّٰه كاملا لأنه اصبح اعمى في اربعيناته. ولكن كما يُظهر البيت الاخير من القصيدة المُقتبس اعلاه، صار يدرك انه يمكن للمرء ان يعبد اللّٰه باحتمال المحن بصبر والبحث بهدوء عن الفرص المتاحة للخدمة. لقد رأى مِلْتون قيمة الاتكال على اللّٰه بصبر.
معظمنا يتمتع ببصر جيد، ولكن لدينا جميعا حدود قد تجعلنا غِضابا او قلقين. فكيف يمكننا ان نكتسب الصبر ونمارسه؟
امثلة مشجِّعة
يزوّدنا الكتاب المقدس بأمثلة رائعة عديدة للصبر. فصبر يهوه يجعل الحياة الابدية ممكنة لملايين لا تُحصى من الناس. (٢ بطرس ٣:٩، ١٥، عج) وعكس يسوع كاملا صبر ابيه الرائع في دعوته اللطيفة الى ان نحمل نيره و ‹نجد راحة لنفوسنا.› (متى ١١:٢٨-٣٠) والتأمل في مثالَي يهوه ويسوع يمكن ان يساعدنا لنكون صبورين اكثر.
ان الشخص الذي بدا انّ لديه كل سبب ليكون غضبانا، مرّ النفس، او حقودا هو يوسف بن يعقوب. فإخوته كانوا قد عاملوه بظلم شديد، مخططين لموته وبيعه اخيرا للعبودية. وفي مصر، على الرغم من ان يوسف خدم فوطيفار بإخلاص وأمانة، اتُّهم وسُجن ظلما. وقد احتمل كل مِحَنه بصبر، ربما مدركا ان مثل هذه الامتحانات يمكن ان تخدم مقاصد يهوه. (تكوين ٤٥:٥) ولأن يوسف نمَّى ايمانا ورجاء بيهوه بالإضافة الى الاتِّضاع والفهم، استطاع ان يمارس الصبر حتى في الظروف الشاقة جدا.
والمساعِد المهم الآخر هو روح يهوه القدوس. مثلا، اذا كنا ذوي طبع حاد ولسان لاذع، يمكننا ان نصلِّي طلبا لمساعدة الروح القدس كي نتمكن من تنمية ثماره. والتأمل في كلٍّ من هذه الثمار، مثل طول الأناة وضبط النفس، سيساعدنا لنرى كم هي وثيقة الصلة بالصبر. — غلاطية ٥:٢٢، ٢٣، عج.
مكافآت الصبر
يمكن ان يجلب لنا الصبر فوائد كثيرة. فهو يقوِّي شخصيتنا ويحمينا من ارتكاب اعمال طائشة وحمقاء. ومَن منا لم يرتكب اخطاء مؤذية بسبب التسرُّع الى الاستجابة للظروف الصعبة او المجهِدة؟ ربما قلنا كلمة قاسية او تصرَّفنا بطريقة عنيفة. وربما سمحنا لحادثة تافهة مع شخص نحبه بأن تتصاعد لتصير معركة بين ارادتين صلبتين. وبعد الكثير من الغضب، الخيبة، والأسى، ربما فكرنا بأسف، ‹ليتني انتظرت قليلا.› وممارسة الصبر يمكن ان تحمينا من كل حزن. وهذا الواقع وحده يضفي على حياتنا الكثير من السلام، الاستقرار، والاكتفاء. — فيلبي ٤:٥-٧.
والصبر يساعدنا ايضا على حيازة قلب هادئ وغير مرتاب. ويمكن ان يؤدي ذلك الى تمتُّعنا بصحة جسدية، عاطفية، وروحية افضل. (امثال ١٤:٣٠) فالغضب العنيف وغير المضبوط يمكن ان يسبب المرض العاطفي والجسدي الخطير وكذلك الموت. ومن جهة اخرى، يمكننا بصبرنا ان نكسب موقفا ايجابيا اكثر تجاه الآخرين، وخصوصا اخوتنا الروحيين وأعضاء عائلتنا. وحينئذ سنكون ميالين اكثر الى ان نكون مراعين لمشاعر الآخرين ومساعدين بدلا من ان نكون سريعي الانفعال وانتقاديين. وبالمقابل، سيجد الآخرون معاشرتنا اسهل وسارَّة اكثر.
والشيوخ في الجماعة المسيحية يحتاجون بشكل خصوصي الى ممارسة الصبر. فالرفقاء المسيحيون يقتربون اليهم احيانا بمشاكل خطيرة. وقد يكون هؤلاء الاشخاص المخلصون مُشوَّشين، قلقين، مكتئبين، فيما قد يكون الشيوخ انفسهم متعبين او ملتَهين بمشاكلهم الشخصية او العائلية. ومع ذلك، كم هو ضروري ان يمارس الشيوخ الصبر في مثل هذه الظروف الشاقة! وبهذه الطريقة يمكنهم ان يؤدِّبوا «بالوداعة» و ‹يشفقوا على الرعية.› (٢ تيموثاوس ٢:٢٤، ٢٥؛ اعمال ٢٠:٢٨، ٢٩) فالحياة الثمينة لكثيرين هي في خطر. يا للشيوخ اللطفاء، المحبين، والصبورين من بركة للجماعة!
يجب ان يعامل رؤوس العائلات اهل بيتهم بصبر، تفهُّم، ولطف. ويجب ايضا ان يتوقَّعوا من كل اعضاء العائلة ممارسة هذه الصفات عينها ويشجعوهم عليها. (متى ٧:١٢) وهذا سيساهم كثيرا في المحبة والسلام في البيت.
ان ممارسة الصبر عند الانهماك في خدمة الحقل ستساعد الخدام المسيحيين ان يتمتعوا اكثر بهذه الخدمة. ويكونون قادرين بشكل افضل على احتمال اية لامبالاة ومقاومة يواجهونها. وبدلا من مجادلة اصحاب البيوت الغضاب، سيتمكَّن الخدام الصبورون من اعطاء جواب لطيف او المغادرة بهدوء، محتفظين بالتالي بالسلام والفرح. (متى ١٠:١٢، ١٣) وعلاوة على ذلك، عندما يعامل المسيحيون الجميع بصبر ولطف، ينجذب المشبَّهون بالخراف الى رسالة الملكوت. وقد بارك يهوه الجهود الصبورة على نطاق عالمي، لأن مئات الآلاف من طالبي الحق الودعاء يتدفَّقون الى جماعة يهوه المُحِبة كل سنة.
حقا، ستجلب لنا ممارسة الصبر مكافآت رائعة. فسنتجنب الكثير من الحوادث والمشاكل التي يسبِّبها تسرُّعنا الى التصرف او الى استعمال لساننا. وسنكون اسعد، اهدأ، وعلى الارجح بصحة افضل. وسنختبر فرحا وسلاما اعظم في خدمتنا، في الجماعة، وفي البيت. لكنَّ الأهم من ذلك هو اننا سنتمتع بعلاقة اوثق باللّٰه. فانتظروا يهوه. مارسوا الصبر!
[الحاشية]
a جرى تغيير الاسم.
[الصور في الصفحة ١٠]
الى ايّ حد انتم صبورون في الحياة اليومية؟