مكتبة برج المراقبة الإلكترونية
برج المراقبة
المكتبة الإلكترونية
العربية
  • الكتاب المقدس
  • المطبوعات
  • الاجتماعات
  • ع٩٦ ٨/‏١ ص ١٩-‏٢٣
  • كنت تائها لكنني وجدت قصدا في الحياة

لا تتوفر فيديوات للجزء الذي اخترته.‏‏

عذرًا، حصل خطأ عند تشغيل الفيديو.‏

  • كنت تائها لكنني وجدت قصدا في الحياة
  • استيقظ!‏ ١٩٩٦
  • العناوين الفرعية
  • مواد مشابهة
  • التأثيرات المحزنة لفعل الخطإ
  • الجهود للتحسُّن
  • تيهاني يستمر
  • الحياة في البحر كمرتزق
  • لمحة عن معنى الحياة
  • عودة مخيِّبة الى البيت
  • انكلترا ومدرسة الفن المسرحي
  • التيهان ينتهي اخيرا
  • عودة مختلفة الى البيت
  • ‏«أخطأتِ في طلب الرقم»‏
    برج المراقبة تعلن ملكوت يهوه —‏ ٢٠٠١
  • وجدت الاكتفاء في خدمة اللّٰه
    برج المراقبة تعلن ملكوت يهوه —‏ ١٩٩٣
  • صنع مشيئة اللّٰه ملأ حياتي فرحا
    برج المراقبة تعلن ملكوت يهوه —‏ ٢٠٠٨
  • وجدت الغنى الحقيقي في اوستراليا
    استيقظ!‏ ١٩٩٤
المزيد
استيقظ!‏ ١٩٩٦
ع٩٦ ٨/‏١ ص ١٩-‏٢٣

كنت تائها لكنني وجدت قصدا في الحياة

تخيلوا خوفي وانزعاجي في صباح باكر من احد الايام عندما ايقظني فجأة رجلان مفتولا العضلات يفتشان غرفة نومي.‏ كانت امي تراقبهما شاحبة الوجه وعاجزة،‏ وقد بدا واضحا جدا انها كانت تحت تأثير الصدمة.‏ وكان الرجلان من رجال التحرّي.‏

عرفت في الحال عما كانا يفتشان.‏ ورغم انني تصنَّعت الجرأة والشجاعة،‏ كنت في قرارة نفسي خائفا.‏ وعرفت ان شبكة الشرطة كانت على وشك ان تُطبِق على عصابتنا من اللصوص الاحداث في نيو جيرزي،‏ الولايات المتحدة الاميركية.‏ امرني رجلا التحرّي بفظاظة ان ارتدي ملابسي ثم اقتاداني بسرعة الى مركز الشرطة الرئيسي من اجل الاستجواب.‏

كيف وصلت الى هذه الحالة البائسة؟‏ بدأ ذلك في سن مبكرة.‏ فبينما كنت لا ازال في اواسط سني مراهقتي،‏ كنت اعتبر نفسي حدثا جانحا متقسِّيا.‏ وفي ستينات الـ‍ ١٩٠٠ كان كثيرون من الاحداث يعتبرون التمرد دون سبب امرا شائعا ومقبولا،‏ وكنت اوافقهم في الرأي كل الموافقة.‏ وهكذا،‏ بعمر ١٦ سنة،‏ وجدت نفسي اتردَّد الى احدى صالات البليارد المجاورة بعدما طُردت من المدرسة الثانوية.‏ وهناك تورطت مع عصابة من الاحداث تقوم بعمليات سطو.‏ وبعد الانضمام اليهم في بعض العمليات الصغيرة نسبيا،‏ بدأت اشعر بالإثارة والتشويق،‏ وفي الواقع كنت اجد كل عملية ممتعة للغاية.‏

وهكذا بدأت تسعة اشهر من الكسر والاقتحام.‏ وكعصابة،‏ كنا نركِّز بشكل رئيسي على المكاتب التي كثيرا ما تودَع فيها مبالغ نقدية طائلة.‏ وكلما كنا نقوم بعمليات سطو اكثر دون ان يُلقى علينا القبض،‏ كنا نزداد شجاعة.‏ وأخيرا قرَّرنا ان نسرق فرعا من فروع مصرف المقاطعة.‏

ولأول مرة،‏ بدأت الامور تتخذ منحى خاطئا.‏ فرغم اننا نجحنا في اقتحام المصرف دون ادنى صعوبة،‏ قضينا ليلة خائبة في الداخل لأننا لم نتمكن الا من خلع جوارير آلات تسجيل النقد.‏ والمشكلة الاخطر كانت ان اقتحامنا للمصرف ادخل مكتب التحقيقات الفدرالي (‏FBI)‏ في القضية.‏ ولأن الـ‍ FBI كان يحقق في قضيتنا،‏ لم يمضِ وقت طويل حتى اعتُقلنا جميعا.‏

التأثيرات المحزنة لفعل الخطإ

اتُّهمت شخصيا بـ‍ ٧٨ عملية سطو وأحرجني ذكر تفاصيل كل عملية بصوت مرتفع امام المحكمة.‏ وهذا،‏ الى جانب كل ما نشرته الجريدة المحلية عن جرائمنا،‏ كان له اثر مدمِّر في والديّ.‏ ولكنني لم آبه في ذلك الوقت لِما كنت أُلحق بهما من خزي وإحراج.‏ حُكم عليَّ بالبقاء مدة غير محدَّدة في احدى اصلاحيات الولاية،‏ مما عنى بقائي تحت الوصاية حتى ابلغ الـ‍ ٢١ من العمر.‏ ولكن بفضل جهود محامٍ بارع،‏ نُقلت الى مدرسة اصلاحية خصوصية.‏

ومع انني جُنِّبت السجن،‏ إلا ان ذلك كان بشرط إبعادي عن محيطي وعن كل عشرائي السابقين.‏ ولتحقيق هذا القصد،‏ أُدخلت الى مدرسة خاصة في نُووارك،‏ مدرسة تُعنى بالاولاد الجانحين امثالي.‏ وقد فُرضت عليَّ ايضا جلسات اسبوعية مع اختصاصي في علم النفس لأنال مساعدة متخصِّصة.‏ وكل هذه الشروط اهتم بها والداي متكبِّدَين مبالغ ضخمة من المال.‏

الجهود للتحسُّن

بسبب محاكمتنا التي كثرت الدعاية حولها دون شك،‏ صدرت افتتاحية في جريدة بلدتنا بعنوان «عندما تُمنَع العصا.‏» وانتقدت هذه المقالة التأديب المتساهِل الذي تلقَّاه كما يبدو افراد العصابة.‏ وللمرة الاولى،‏ جعلت تعليقات هذه الافتتاحية ضميري يصحو.‏ لذلك اقتطعت تلك القصاصة من الجريدة وأقسمت ان اعوِّض يوما وبطريقة ما عن كل الالم،‏ الحرج،‏ والكلفة التي سببتها لوالديّ.‏

فكرت انّ احدى الطرائق لاثبت لوالديّ انه يمكنني ان اتغير هي التخرج في المدرسة الثانوية مع رفاق صفي الاصليين.‏ فبدأت ادرس كما لم ادرس قط في حياتي.‏ والنتيجة كانت انني في نهاية السنة الدراسية،‏ وفي حضرة ضابط المراقبة،‏ مثلت مجددا بين يدي القاضي الذي كان قد حكم عليّ،‏ وانفرجت اسارير وجهه المتجهم عندما رأى انني كنت ابلغ مستوى جيدا جدا في كل فصل.‏ وهكذا فُتحت الطريق امامي لأعود الى مدرستي الثانوية القديمة،‏ وتخرجت في السنة التالية.‏

تيهاني يستمر

في سنة ١٩٦٦،‏ حين توجَّه كثيرون من رفقاء صفي الى الحرب في ڤيتنام،‏ التحقت انا بكلية كونكورد في ڤيرجينيا الغربية.‏ وفي الكلية عرفت المخدِّرات،‏ التجمعات الحاشدة من اجل السلام،‏ وحضارة جديدة كليا جعلتني اشك في القيم التقليدية.‏ كنت ابحث عن شيء ما،‏ لكنني كنت اجهل ما هو.‏ وعندما حان وقت عيد الشكر،‏ بدلا من الذهاب الى البيت،‏ كنت انتقل بالسيارات مجانا جنوبا عبر سلسلة الجبال الزرقاء الى فلوريدا.‏

لم اكن قد سافرت كثيرا من قبل،‏ وكنت اتمتع للغاية برؤية الكثير جدا من الاماكن الجديدة والمختلفة —‏ حتى انتهى بي الامر يوم عيد الشكر في سجن شاطئ ديتون متَّهَما بالتشرد.‏ شعرت بخجل شديد منعني من الاتصال بوالديّ،‏ لكنَّ سلطات السجن فعلت ذلك.‏ ومرة اخرى،‏ رتَّب ابي لدفع غرامة كبيرة بدلا من ان يدعني اقضي فترة العقوبة في السجن.‏

لم ابقَ في الكلية بعد ذلك.‏ بل حملت حقيبتي الوحيدة،‏ بعدما استيقَظ فيَّ توق حديث الى السفر،‏ ورحت اتجول من جديد راكبا السيارات مجانا وهائما على وجهي في كل انحاء الساحل الشرقي للولايات المتحدة وأقوم بأعمال متفرقة لأعيل نفسي.‏ ونادرا ما كان والداي يعرفان مكاني،‏ رغم انني كنت ازورهما بين حين وآخر.‏ وما كان يفاجئني هو انهما كانا يبدوان دائما مسرورَين برؤيتي،‏ ولكنني لم استطِع ان استقر.‏

ولأنني لم اعد الآن في الكلية،‏ خسرت تصنيفي كتلميذ،‏ الامر الذي كان يمنحني حق تأجيل الخدمة العسكرية.‏ والآن صرت بين المطلوبين للقرعة،‏ وكنت سأُدعى الى التجنيد في الجيش عاجلا ام آجلا.‏ كانت فكرة النظام وخسارة حريتي المستردة حديثا امرا غير وارد بالنسبة اليَّ.‏ لذلك قررت ان اغادر البلاد بحرا.‏ وفي هذه الاثناء،‏ توفَّرت لي مهنة جديدة.‏ فهل يمكن ان تكون هذه اخيرا القصد الحقيقي لحياتي؟‏

الحياة في البحر كمرتزق

كان صديق قديم لعائلتنا قبطانا في الاسطول التجاري للولايات المتحدة.‏ وأخبرني عن برنامج تدريبي كان قد بوشر به حديثا للمهندسين البحريين.‏ قُبلتُ بسهولة في برنامج مكثَّف لسنتين له فائدتان،‏ تأجيل الواجب العسكري وتوقُّع نيل شهادة الهندسة البحرية.‏ تخرجت وحصلت على الدبلوم سنة ١٩٦٩ ووقعت عقدا كضابط هندسة من الدرجة الثالثة على متن اول باخرة في سان فرانسيسكو.‏ ابحرنا فورا الى ڤيتنام ومعنا شحنة من الذخيرة الحربية.‏ خَلت الرحلة من الاحداث المثيرة،‏ واستقلت من عملي على تلك السفينة عندما وصلنا الى سنڠافورة.‏

في سنڠافورة وقَّعت عقد عمل على سفينة الهاربين،‏ وهي تُدعى كذلك لأنها تستخدم غير المنتمين الى نقابة العمال الذين ينتظرون على رصيف الميناء.‏ وقد استُخدمت هذه السفينة لتبحر بمحاذاة الشاطئ الڤيتنامي،‏ من خليج كَمْران في الجنوب الى دانانڠ في الشمال قرب المنطقة المجرَّدة من السلاح.‏ وهنا لم يكن ليتوقف قط دويّ القنابل المتكرر العديم الرحمة.‏ ولكن كانت تعود عليَّ من هذه الطريق فائدة مالية،‏ ومع العلاوات تعويضا عن خطر الحرب والهجمات التي كنا نتعرض لها بين حين وآخر عندما نصير هدفا للرمي المباشر،‏ وجدت انني اكسب اكثر من ٠٠٠‏,٣٥ دولار اميركي سنويا كمرتزق في الحرب.‏ ورغم هذه البحبوحة الحديثة العهد،‏ كنت لا ازال اشعر بأنني تائه وكنت اتساءل عن معنى الحياة —‏ الى اين اتجه؟‏

لمحة عن معنى الحياة

بعد هجوم مريع جدا شنته نيران العدو،‏ ابتدأ ألبرت،‏ مرافقي الذي يعمل على الغلّاية في السفينة،‏ يخبرني كيف ان اللّٰه سيجلب السلام الى الارض يوما ما عن قريب.‏ فأرهفت اذنيّ لأسمع هذه المعلومات الغريبة.‏ وفي المرة التالية عندما ابحرنا عائدين الى سنڠافورة،‏ اخبرني ألبرت انه كان واحدا من شهود يهوه ولكنه لم يعُد نشيطا.‏ لذلك حاولنا معا ان نجد الشهود المحليين في سنڠافورة.‏ بدا انه لم يكن احد قادرا على مساعدتنا،‏ ولكن في الليلة التي سبقت ابحارنا،‏ وجد ألبرت مجلة برج المراقبة في قاعة الانتظار في احد الفنادق.‏ وكان عليها عنوان.‏ ولكن لم يكن لدينا متسع من الوقت للتحقق منه لأننا ابحرنا في الصباح التالي الى ساسيبو في اليابان حيث كان مقرَّرا ان ترسو السفينة اسبوعين في الحوض الجاف.‏

وهناك دفعنا لأفراد الطاقم وسرَّحناهم،‏ فمضى ألبرت في سبيله.‏ ولكن بعد اسبوع فقط،‏ فوجئت عندما تلقَّيت منه برقية يخبرني فيها ان محفلا لشهود يهوه سيُعقَد في ساسيبو في نهاية الاسبوع المقبل.‏ فقررت ان اذهب لأرى ما هو هذا المحفل.‏

سيبقى هذا التاريخ —‏ ٨ آب ١٩٧٠ —‏ مغروسا دائما في ذهني.‏ وصلت الى مكان المحفل بسيارة اجرة،‏ وسرت بخطى سريعة وسط مئات اليابانيين المرتدين ثيابا انيقة.‏ ومع ان معظمهم لا يتكلمون الانكليزية ابدا،‏ فقد بدا انهم يريدون جميعا ان يرحبوا بي.‏ لم أرَ قط شيئا كهذا،‏ ورغم انني لم افهم ولا كلمة واحدة من البرنامج باللغة اليابانية،‏ فقد قررت ان اعود في اليوم التالي —‏ فقط لأرى ما اذا كنت ألقى الترحيب نفسه ثانية.‏ وهذا ما حصل!‏

وقَّعنا عقدا مع طاقم جديد وبعد اسبوع عدنا الى البحر،‏ قاصدين سنڠافورة.‏ فور وصولي،‏ استقللت سيارة اجرة الى العنوان الذي على مجلة برج المراقبة.‏ خرجت امرأة لطيفة من البيت وعرضت عليَّ مساعدتها.‏ فأريتها العنوان على برج المراقبة،‏ فدعتني فورا الى الدخول.‏ التقيت حينئذ زوجها وعلمت انهما مرسلان من اوستراليا،‏ نورمان وڠلاديس بيلوتي.‏ اخبرتهما كيف حصلت على عنوانهما.‏ فرحَّبا بي ترحيبا حارا وأجابا عن الكثير من اسئلتي،‏ ثم غادرت حاملا حقيبة ملآنة من مطبوعات الكتاب المقدس.‏ وأثناء ابحارنا في الاشهر القليلة التالية بمحاذاة الساحل الڤيتنامي،‏ قرأت الكثير من هذه الكتب،‏ بما فيها الحق الذي يقود الى الحياة الابدية.‏

والآن،‏ ولأول مرة في حياتي،‏ انتابني شعور بأنني وجدت قصدا واتجاها حقيقيين.‏ وفي الرحلة التالية الى سنڠافورة،‏ استقلت من عملي على متن السفينة.‏

عودة مخيِّبة الى البيت

ولأول مرة ايضا،‏ شعرت بالرغبة في العودة الى البيت.‏ لذلك بعد اسابيع قليلة،‏ وصلت متحمسا جدا وراغبا في اخبار والديّ بكل شيء عن شهود يهوه.‏ لكنهما لم يشاركاني حماستي.‏ وكان من الممكن تفهم السبب،‏ فسلوكي لم يكن ليساعد على ذلك.‏ ولم تكد تنقضي اسابيع قليلة حتى حطمتُ في فورة غضب ناديا ليليا محليا.‏ واستعدت وعيي في زنزانة السجن.‏

بتُّ اعتقد آنذاك انه لا امل البتة بإصلاحي وبالتحكم في طبعي الحاد.‏ فربما سأكون دائما شخصا متمرِّدا دون سبب.‏ ولم اعد اطيق البقاء في البيت وقتا اطول.‏ كان يجب ان ارحل.‏ لذلك بعد ايام قليلة،‏ حجزت تذكرة سفر على متن مركب بضائع نروجي يقصد انكلترا.‏

انكلترا ومدرسة الفن المسرحي

تمتعت بإقامتي في انكلترا،‏ لكنَّ العمل كان المشكلة.‏ لذلك قررت ان اقوم بتجربة اداء في عدة مدارس للفن المسرحي،‏ وما ادهشني هو قبولي في مدرسة لندن للفن المسرحي.‏ قضيت سنتين في لندن اسرف في الشرب،‏ اخالط الناس،‏ وأتعاطى طبعا كل اصناف المخدِّرات.‏

قررت فجأة ان اقوم بزيارة اخرى لرؤية عائلتي في الولايات المتحدة.‏ ولكن هل يمكنكم ان تتخيلوا كم روَّعهم حتما مظهري اللافت للنظر هذه المرة؟‏ كنت لابسا رداء اسود له رأسَا اسدين ذهبيان تضمهما عند العنق سلسلة ذهبية،‏ وصدرة مخملية حمراء،‏ وسروالا مخمليا اسود مزخرفا بالجلد ادخلته تحت الجزمة.‏ فلا عجب انّ انزعاج والديّ بدا واضحا وأنني شعرت كالغريب في بيئتهم المحافظة!‏ لذلك عدت الى انكلترا حيث حصلت سنة ١٩٧٢ على دبلوم في الفن المسرحي.‏ لقد حققت الآن هدفا آخر.‏ ولكن ماذا بعد الآن؟‏ كان هذا السؤال لا يزال يراود ذهني ويقضّ مضجعي.‏ وكنت لا ازال اشعر بالحاجة الى قصد حقيقي في الحياة.‏

التيهان ينتهي اخيرا

بُعيد ذلك بدأت اخيرا اشعر ببعض الاستقرار يدخل الى حياتي.‏ وابتدأ ذلك بصداقة مع جارتي كارولاين.‏ كانت معلمة اوسترالية رزينة تتقيد بقواعد السلوك —‏ عكس شخصيتي تماما.‏ بقينا سنتين اصدقاء دون ايّ رابط عاطفي.‏ ثم سافرت كارولاين الى اميركا لقضاء ثلاثة اشهر،‏ وبسبب صداقتنا الحميمة،‏ رتَّبتُ ان تقيم مع والديّ عدة اسابيع.‏ وقد تساءلا على الارجح عن سبب علاقتها بشخص غريب الاطوار مثلي.‏

بعد رحيل كارولاين بوقت قصير،‏ اخبرت اصدقائي انني سأذهب الى موطني،‏ فأقاموا لي حفلة وداعية كبيرة.‏ إلا انني لم اذهب الى ابعد من ساوث كنزينڠتون في لندن حيث استأجرت شقة في الطابق السفلي واتصلت بمكتب فرع شهود يهوه في لندن.‏ فقد أدركت ايّ مسلك يجب ان اتبعه في حياتي.‏ ولم يمضِ اسبوع حتى زارني زوجان لطيفان ورتَّبا حالا ليدرسا معي قانونيا في الكتاب المقدس.‏ وبسبب مطبوعات الشهود التي كنت قد قرأتها،‏ كنت متشوقا الآن الى الدرس وطلبت درسين في الاسبوع.‏ وإذ رأى بوب حماستي دعاني سريعا الى قاعة الملكوت،‏ ولم يمضِ وقت طويل حتى صرت احضر كل الاجتماعات الاسبوعية.‏

عندما عرفت ان شهود يهوه لا يدخنون،‏ قررت ان اقلع فورا عن هذه العادة.‏ ولكن ماذا عن مظهري؟‏ لم ارِد ان بيدو مظهري غريبا بعد الآن،‏ لذلك اشتريت قميصا رسميا،‏ ربطة عنق،‏ وبدلة.‏ وسرعان ما صرت اهلا للاشتراك في نشاط الكرازة من بيت الى بيت —‏ ومع انني كنت متوتر الاعصاب في البداية،‏ إلا انني صرت اتمتع بذلك.‏

فكرت ان هذا سيكون حتما مفاجأة كبرى لكارولاين عندما تعود.‏ لكنَّ ما حدث فاق كثيرا توقعاتي!‏ فلم تكن تصدق التغيير الذي حصل لي في مثل هذه الفترة القصيرة —‏ في هندامي ومظهري وفي نواحٍ عديدة اخرى.‏ فأخبرتها كيف ساعدتني دروسي في الكتاب المقدس ودعوتها هي ايضا الى درس الكتاب المقدس.‏ كانت متردِّدة في البداية،‏ ولكنها قبلت اخيرا شرط ألا تدرس إلّا معي انا.‏ سررت برؤيتها تتجاوب بسرعة،‏ ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت تقدِّر حق الكتاب المقدس.‏

بعد بضعة اشهر،‏ قررت كارولاين ان تعود الى اوستراليا واستأنفت درسها في الكتاب المقدس في سيدني.‏ بقيتُ في لندن الى ان اعتمدت،‏ اي بعد سبعة اشهر.‏ ثم اردت ان اعود الى الولايات المتحدة من جديد وأرى عائلتي بكاملها.‏ ولكنني كنت مصمِّما هذه المرة على بلوغ هدفي!‏

عودة مختلفة الى البيت

اراد اقربائي المذهولون ان يعرفوا ماذا يجري هذه المرة —‏ فقد بدوْتُ محترَما للغاية!‏ لكنني كنت مسرورا الآن لأنني شعرت انني فعلا في بيتي.‏ ومع ان والديّ كانا يتساءلان طبعا عن تغيُّري المفاجئ،‏ فقد كانا لبقَين ومتجاوبَين بلطفهما وتسامحهما المعهودَين.‏ وفي الاشهر التالية،‏ تمتعت بامتياز الاشتراك في درس الكتاب المقدس معهما.‏ وبدأت درسا مع اختيَّ الكبيرتين اللتين تأثرتا دون شك بنمط حياتي المتغيِّر.‏ نعم،‏ لقد كانت هذه العودة الى البيت عودة حقيقية!‏

في آب ١٩٧٣ لحقت بكارولاين الى اوستراليا حيث فرحت برؤيتها تعتمد مع ٢٠٠‏,١ شخص آخر في المحفل الاممي لشهود يهوه سنة ١٩٧٣.‏ وتزوجنا في نهاية الاسبوع التالي في كانبيرا،‏ العاصمة القومية لاوستراليا.‏ وهناك اخدم في العمل الكرازي كامل الوقت طوال الـ‍ ٢٠ سنة الماضية وكشيخ في الجماعة المحلية طوال ١٤ سنة.‏

وبفضل تعاون زوجتي،‏ ربَّينا ثلاثة اولاد —‏ توبي،‏ أمبر،‏ وجوناثان.‏ ورغم اننا نواجه المشاكل كغيرنا من العائلات،‏ ما زلت اتدبر امري لأشترك في النشاط الكرازي كامل الوقت كفاتح ولأعتني في الوقت نفسه بالحاجات المادية لعائلتنا.‏

وفي الولايات المتحدة اليوم،‏ والداي هما خادمان منتذران ليهوه،‏ ومع انهما كليهما في ثمانيناتهما،‏ لا يزالان يشتركان في الكرازة العلنية بالملكوت.‏ ويخدم ابي كخادم مساعد في الجماعة المحلية.‏ وأختاي الكبيرتان غيورتان ايضا في خدمة يهوه.‏

ما اعمق شكري ليهوه اللّٰه لأن سنوات تيهاني الطويلة صارت الآن ماضيا ولَّى!‏ فهو لم يساعدني فقط على تعلُّم افضل طريقة استخدم بها حياتي بل باركني ايضا بعائلة متَّحدة متعاطفة.‏ —‏ كما رواه دايڤد زوڠ پارتريك.‏

‏[الصورة في الصفحة ٢٣]‏

دايڤد وزوجته كارولاين

    المطبوعات باللغة العربية (‏١٩٧٩-‏٢٠٢٥)‏
    الخروج
    الدخول
    • العربية
    • مشاركة
    • التفضيلات
    • Copyright © 2025 Watch Tower Bible and Tract Society of Pennsylvania
    • شروط الاستخدام
    • سياسة الخصوصية
    • إعدادات الخصوصية
    • JW.ORG
    • الدخول
    مشاركة