السيادة
السلطة العليا؛ النفوذ الذي يتمتع به سيد، ملك، امبراطور، او ما شابه؛ الجهة النافذة التي تحدِّد في النهاية السلطة الحاكمة في دولة ما.
في الاسفار العبرانية، ترد كلمة أَدوناي تكرارا، والعبارة أَدوناي يِهويه ٢٨٥ مرة. وكلمة أَدوناي هي صيغة جمع لكلمة آدون التي تعني «ربًّا؛ سيِّدًا». وفي حين ان كلمة أَدونيم («ارباب» او «اسياد») هي صيغة جمع تُستعمَل للاشارة الى بشر، فإن التعبير أَدوناي دون لاحقة مضافة اليه يُستعمل دائما في الاسفار المقدسة للاشارة الى اللّٰه، علما ان الجمع في هذه الحالة دليل على التفخيم والجلالة. وغالبا ما ينقله المترجمون الى «الرب». وعندما يظهر الى جانب اسم اللّٰه (أَدوناي يِهويه) كما في المزمور ٧٣:٢٨، تُترجم هذه العبارة الى «السيد الرب» (عأ، يس، جد، يج)؛ «الرب الاله» (تعم)؛ «السيد» (تف)؛ «السيد الرب يهوه» (كم١٢)؛ «السيد العظيم يهوه» (عج).
تعني الكلمة اليونانية دِسپوتِس مَن يملك سلطة اسمى، او ملكية مطلقة ونفوذا غير محدود. (قاموس فاين التفسيري لكلمات العهدين القديم والجديد، ١٩٨١، المجلد ٣، ص ١٨، ٤٦ [بالانكليزية]) وهي تُترجم الى «رب»، «سيد»، و «مالك»، وحين تُستعمل لمخاطبة اللّٰه مباشرة تُنقل الى «الرب» (يس، تعم، شد)، «السيد» (عأ، تف، حر، جد، يج، ك، وغيرها)، «المولى» (ك)، «السيد الرب» (كم١٢)، و «السيد العظيم» (عج) في لوقا ٢:٢٩، اعمال ٤:٢٤، ورؤيا ٦:١٠.
وعليه عندما ترد الكلمتان أَدوناي و دِسپوتِس في الاسفار المقدسة للاشارة الى يهوه اللّٰه، تدلان على تفوُّق سيادته.
سيادة يهوه: يهوه اللّٰه هو سيد الكون وصاحب السلطة المطلقة فيه لأنه الخالق والاله الحقيقي والقادر على كل شيء الذي لا يضاهيه احد. (تك ١٧:١؛ خر ٦:٣؛ رؤ ١٦:١٤) فهو مالك كل الاشياء والحاكم الاسمى ومصدر كل سلطة وقوة. (مز ٢٤:١؛ اش ٤٠:٢١-٢٣؛ رؤ ٤:١١؛ ١١:١٥) رنَّم كاتب المزمور: «يهوه في السموات ثبَّت عرشه، ومملكته على الكل تتسلط». (مز ١٠٣:١٩؛ ١٤٥:١٣) وصلَّى تلاميذ يسوع الى اللّٰه: «ايها السيد الرب، انت الذي صنع السماء والارض». (اع ٤:٢٤) وفي اسرائيل قديما كانت السلطات الحكومية الثلاث، القضائية والتشريعية والتنفيذية، في يده. ذكر النبي اشعيا: «يهوه قاضينا، يهوه مشترعنا، يهوه ملكنا، فهو يخلِّصنا». (اش ٣٣:٢٢) وفي التثنية ١٠:١٧، وصف موسى اللّٰه وصفا يتلاءم مع كونه صاحب السلطة الاسمى.
ونظرا الى مركز يهوه السامي، لديه الحق والسلطة ان يفوِّض مسؤوليات الحكم. فداود نُصِّب ملكا على اسرائيل، والاسفار المقدسة تتحدث عن ‹مملكة داود› وكأنها مملكته هو. مع ذلك، اعترف ان يهوه هو الحاكم الاسمى صاحب السلطة المطلقة. فقد قال: «لك، يا يهوه، العظمة والقدرة والبهاء والسمو والوقار، لأن لك كل ما في السماء والارض. لك الملكوت يا يهوه، وقد ارتفعت رأسا على الجميع». — ١ اخ ٢٩:١١.
الحكام البشر: يمارس حكام امم الارض سلطتهم المحدودة بسماح من السيد العظيم يهوه. لكن ليس اللّٰه مَن يمنح الحكومات السياسية سلطتها ونفوذها. وهذا ما تظهره الرؤيا ١٣:١، ٢ حين تقول ان الوحش الذي له سبعة رؤوس وعشرة قرون نال «قدرته وعرشه وسلطة عظيمة» من التنين، اي من الشيطان ابليس. — رؤ ١٢:٩؛ انظر «الحيوانات والوحوش الرمزية».
وفي حين يسمح اللّٰه بقيام وسقوط مختلف الحكومات البشرية، يظل هو الحاكم الاسمى. فقد اندفع احد الملوك العظماء الى الاعتراف بسيادة اللّٰه نتيجة تجربته الشخصية، قائلا: «سلطانه [اي حُكمه] سلطان دهري وملكوته الى جيل فجيل. وجميع سكان الارض يُحسبون كلا شيء، وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الارض. ولا يوجد مَن يمنع يده او يقول له: ‹ماذا تفعل؟›». — دا ٤:٣٤، ٣٥.
بناء على ذلك، ما دام اللّٰه يسمح بوجود الحكومات البشرية، فعلى المسيحيين ان يطبِّقوا وصية الرسول بولس: «لتخضع كل نفس للسلطات الفائقة، فإنه لا سلطة إلا من اللّٰه، والسلطات الكائنة موضوعة في مراكزها النسبية من قِبَل اللّٰه». وتابع بولس قائلا انه حين تُعاقِب الحكومات مَن يفعل ما هو رديء، فإن ‹السلطة الفائقة› او الحاكم (مع انه ليس خادما امينا للّٰه) يؤدي بطريقة غير مباشرة دور خادم اللّٰه في مركزه هذا، اذ يعبِّر عن غضب اللّٰه على مَن يمارس ما هو رديء. — رو ١٣:١-٦.
وكيف تكون هذه السلطات «موضوعة في مراكزها النسبية من قِبَل اللّٰه»؟ توضح الاسفار المقدسة ان هذا لا يعني ان اللّٰه اسس هذه الحكومات او انه يدعمها. بالاحرى، هو يستخدمها لتحقيق قصده المتعلق بما يريده لخدامه على الارض. فقد قال موسى: «حين أورث العليُّ الامم، حين فرَّق بني آدم، اقام تخوما للشعوب حسب عدد بني اسرائيل». — تث ٣٢:٨.
مُلك ابن اللّٰه: بعد سقوط الملك الاخير الذي جلس على «عرش يهوه» في اورشليم (١ اخ ٢٩:٢٦)، أُعطي النبي دانيال رؤيا عن تعيين ابن اللّٰه ملكا في المستقبل. ويتضح مركز يهوه الاله الحي منذ القديم حين يعطي ابنه سلطة. تخبر الرواية: «كنت ارى في رؤى الليل، فإذا مثل ابن انسان آتيا مع سحب السماء! فدخل الى القديم الايام وقُرِّب الى امامه. فأُعطي سلطانا وسموًّا وملكوتا، لتخدمه جميع الشعوب والامم والالسنة. سلطانه سلطان دهري لا يزول، وملكوته لا ينقرض». (دا ٧:١٣، ١٤) ومقارنة هذه الآية بمتى ٢٦:٦٣، ٦٤ لا تترك مجالا للشك ان «ابن الانسان» في رؤيا دانيال هو يسوع المسيح. فهو يدخل الى حضرة يهوه ويُعطى السلطة ليحكم. — قارن مز ٢:٨، ٩؛ مت ٢٨:١٨.
تحدِّي يهوه والتشكيك في سيادته: وُجد الشر على الارض من بداية وجود الانسان تقريبا، حسبما يذكر تاريخ الكتاب المقدس. ومنذ ذلك الوقت، يموت البشر وتزداد الخطايا والتمرد على وصايا اللّٰه. (رو ٥:١٢، ١٥، ١٦) وبما ان الكتاب المقدس يوضح ان اللّٰه اعطى الانسان في البداية حياة كاملة، فلا بد من السؤال: كيف اتت الخطية والنقص والشر الى الوجود؟ ولمَ سمح اللّٰه القادر على كل شيء بوجودها طوال مئات السنين؟ الجواب مرتبط بتحدٍّ للّٰه وتشكيك في سيادته أدَّى الى نشوء قضية عظمى لها علاقة بالبشر.
ماذا يريد اللّٰه من الذين يخدمونه؟ على مر القرون، برهن يهوه اللّٰه بالقول والعمل انه إله يحب مخلوقاته ويمنحهم هبات متنوعة، وأن عدله ودينونته كاملان، وأنه يرحم مَن يريدون ان يخدموه. (خر ٣٤:٦، ٧؛ مز ٨٩:١٤؛ انظر «البر»؛ «الرحمة».) حتى انه لطيف نحو غير الشاكرين والاشرار. (مت ٥:٤٥؛ لو ٦:٣٥؛ رو ٥:٨) وهو يُسَر بأن يمارس سيادته بمحبة. — ار ٩:٢٤.
بناء على ذلك، فإن الذين يريدهم اللّٰه ان يعيشوا في هذا الكون هم اشخاص يعبدونه بدافع محبتهم له وتقديرهم لصفاته الرائعة. وهم يحبون اللّٰه اولا وقريبهم ثانيا. (مت ٢٢:٣٧-٣٩) كما انهم يحبون ان يكون سيدا عليهم، فيطلبون سيادته ويفضِّلونها على اي سيادة اخرى. (مز ٨٤:١٠) حتى لو أُتيح لهم ان يستقلوا عن اللّٰه، يختارونه سيدا عليهم لأنهم يعلمون ان حكمه افضل وأحكم وعادل اكثر من اي حكم آخر. (اش ٥٥:٨-١١؛ ار ١٠:٢٣؛ رو ٧:١٨) وهؤلاء الاشخاص لا يخدمون اللّٰه خوفا من قدرته المطلقة او لأسباب انانية، بل لأنهم يحبون صلاحه وعدله وحكمته ويدركون كم هو عظيم وولي. (مز ٩٧:١٠؛ ١١٩:١٠٤، ١٢٨، ١٦٣) فهم يردِّدون كلمات الرسول بولس: «يا لعمق غنى اللّٰه وحكمته وعلمه! كم احكامه لا تُستقصى، وطرقه لا تُرسم! لأن ‹مَن عرف فكر يهوه، او مَن صار له مشيرا؟›. او ‹مَن بادره بالعطاء لكي يُردَّ له؟›. لأن منه وبه وله كل الاشياء. له المجد الى الابد! آمين». — رو ١١:٣٣-٣٦.
وخدام اللّٰه هؤلاء يعرفونه جيدا، ومعرفتهم هذه تدفعهم الى محبته وتأييد سيادته. كتب الرسول يوحنا: «كل مَن يبقى في اتحاد به لا يمارس الخطية، ومَن يمارس الخطية لم يره ولا عرفه». وذكر ايضا: «مَن لا يحب لم يعرف اللّٰه، لأن اللّٰه محبة». (١ يو ٣:٦؛ ٤:٨) وأبرز مثال في هذا المجال هو يسوع الذي عرف اباه اكثر من اي شخص آخر. فقد قال: «كل شيء قد سُلِّم إليَّ من ابي، وليس احد يعرف الابن تماما إلا الآب، وليس احد يعرف الآب تماما إلا الابن، ومَن اراد الابن ان يكشفه له». — مت ١١:٢٧.
عدم تنمية المحبة والتقدير: لذلك فإن التشكيك الذي أُثير حول سيادة يهوه كان مصدره احد مخلوقاته الروحانية الذي نعم بفوائد هذه السيادة، لكنه لم يقدِّر معرفة اللّٰه ولا نمَّاها كي تعمق محبته له. فحين خلق اللّٰه آدم وحواء على الارض، استغل هذا الملاك الفرصة كي يهاجم سيادة اللّٰه. فسعى في البداية (ونجح في مسعاه) الى جعل حواء ثم آدم يتمردان على سيادة اللّٰه. وكان هدفه ان يكون سيدا منافسا للّٰه.
ولا شك ان حواء، التي اقترب منها هذا الملاك في الاول، لم تقدِّر خالقها وإلهها ولا استفادت من الفرصة المتاحة لها كي تعرفه. فهي سمعت لصوت مخلوق ادنى: الحية التي كانت في الواقع ملاكا متمردا. والكتاب المقدس لا يلمِّح ان حواء تفاجأت حين سمعت الحية تتكلم. بل يقول ان الحية كانت «اكثر حذرا من جميع وحوش الحقل التي صنعها يهوه اللّٰه». (تك ٣:١) ولا يذكر الكتاب المقدس هل اكلت الحية من ثمر «شجرة معرفة الخير والشر» وأعطت بالتالي الانطباع انها صارت ذكية وقادرة على الكلام. لكنَّ المؤكد هو ان هذا الملاك المتمرد، الذي تكلم الى حواء بواسطة حية، قدَّم لها (حسبما ظنت هي) الفرصة لتصبح مستقلة، اي ‹تصير كاللّٰه عارفة الخير والشر›، وأقنعها انها لن تموت. — تك ٢:١٧؛ ٣:٤، ٥؛ ٢ كو ١١:٣.
آدم ايضا لم يُظهر التقدير والمحبة لخالقه ومعيله حين واجه تمردا ضمن عائلته، ولا اعرب عن الولاء بالوقوف الى جانب اللّٰه تحت الامتحان. فانجرَّ وراء زوجته واستسلم لإرادتها. فمن الواضح انه خسر ايمانه باللّٰه وبقدرته على تزويد خدامه الاولياء بكل ما هو جيد. (قارن ما قاله يهوه لداود بعدما اخطأ مع بثشبع في ٢ صم ١٢:٧-٩.) ويتضح ايضا انه استاء من يهوه، كما يتبيَّن من جوابه حين سأله اللّٰه عن الخطإ الذي ارتكبه. فقد اجاب: «المرأة التي اعطيتني لتكون معي هي اعطتني من الشجرة فأكلت». (تك ٣:١٢) وهو بعكس حواء، لم يصدِّق كذب الحية بأنه لن يموت. لكنه هو وحواء كليهما اختارا عمدا ان يتخذا قراراتهما بأنفسهما ويتمردا على اللّٰه. — ١ تي ٢:١٤.
ولم يكن بإمكان آدم ان يقول: «ان اللّٰه يمتحنني». بل صحَّ في حالته المبدأ القائل: «كل واحد يُمتحن اذا اجتذبته وأغرته شهوته. ثم الشهوة متى خصبت تلد خطية، والخطية متى تمَّت تنتج موتا». (يع ١:١٣-١٥) فالمتمردون الثلاثة، الملاك وحواء وآدم، استخدموا الارادة الحرة التي وهبهم اياها اللّٰه كي يُخطئوا عمدا ويخسروا حالة الكمال التي كانوا يتمتعون بها. — انظر «الخطية»؛ «الكمال».
القضية التي أُثيرت: اي امر شكَّك فيه الملاك الذي دُعي لاحقا الشيطان ابليس؟ مَن الذي عُيِّر وشُوِّهت سمعته بسبب الشكوك التي اثارها والتي دعمها آدم بتمرده؟ هل شكَّك الشيطان في ما اذا كان يهوه هو سيد الكون، اي في سيادته بحد ذاتها؟ كلا، فهذا واقع لا يمكنه انكاره. لذلك لم تكن سيادة اللّٰه في خطر. فيهوه لديه السلطة الاسمى والقوة المطلقة ولا احد في السماء او على الارض يقدر ان يأخذهما من يده. (رو ٩:١٩) لا بد اذًا ان الشيطان شكَّك في شرعية وأهلية وعدل سيادة اللّٰه، اي هل يمارس اللّٰه سيادته بطريقة جيدة وعادلة تفيد رعاياه. والدليل على ذلك واضح من سؤاله لحواء: «أحقا قال اللّٰه: ‹ليس من كل شجر الجنة تأكلان›؟». فقد لمَّحت الحية هنا ان اللّٰه يقيِّد حرية الزوجَين البشريَّين كثيرا ويحرمهما من شيء يحق لهما. — تك ٣:١.
ما هي «شجرة معرفة الخير والشر»؟
لقد تمرد آدم وحواء حين اكلا من ثمر «شجرة معرفة الخير والشر». فالخالق، صاحب السيادة الكونية، لديه الحق المطلق ان يضع القانون المتعلق بالاكل من الشجرة. اما آدم فكان مخلوقا ولا يحق له ان يكون حاكما. لذلك كانت لديه حدود، ولزم ان يعترف بهذا الامر. ولكي يسود السلام والانسجام في الكون، وجب على كل المخلوقات العاقلة ان تعترف بسيادة الخالق وتدعمها. وكان آدم سيُظهر انه يعترف بهذه الحقيقة حين يمتنع عن الاكل من ثمر الشجرة. وبما انه كان سيصبح ابا البشرية التي ستملأ الارض، لزم ان يبرهن عن طاعته وولائه حتى في الامور الصغيرة. ففي حالته صحَّ المبدأ: «الامين في القليل امين ايضا في الكثير، والاثيم في القليل اثيم ايضا في الكثير». (لو ١٦:١٠) وكان باستطاعة آدم ان يعرب عن هذه الطاعة الكاملة. وكما يتضح، لم يكن ثمر هذه الشجرة رديئا بحد ذاته. (ولم يكن الامر المحرَّم هو العلاقات الجنسية لأن اللّٰه امر الزوجَين ان ‹يملآ الارض›. [تك ١:٢٨] فاللّٰه منعهما من اكل ثمر شجرة حرفية، كما يذكر الكتاب المقدس.) يوضح الكتاب المقدس الاورشليمي (١٩٦٦، [بالانكليزية]) في حاشية التكوين ٢:١٧ ما تمثِّله هذه الشجرة قائلا:
«هذه المعرفة هي امتياز يحتفظ به اللّٰه لنفسه، لكنَّ الانسان ارتكب الخطية لأنه اراد ان يحصل عليها، ٣:٥، ٢٢. فهي ليست المعرفة غير المحدودة التي لا يملكها البشر الخطاة؛ ولا هي الحس الخُلُقي لأن الانسان كان في الاساس يملك هذه الميزة قبل ان يقع في الخطية ولم يكن ممكنا ان يحرم اللّٰه المخلوقات العاقلة منها. انها قدرة الانسان ان يحدِّد هو بنفسه الخير والشر ويتصرف على هذا الاساس، هي مطالبة بالاستقلال الاخلاقي التام [الاستقلال الذي يسمح له ان يقرر بنفسه الصواب والخطأ] مُنكرا الواقع انه كائن مخلوق. اذًا، الخطية الاولى كانت تعدِّيا على سيادة اللّٰه، خطية سببها التكبر».
اتهام خدام اللّٰه بالانانية: يتضح جانب آخر من القضية التي اثارها الشيطان من خلال ما قاله للّٰه عن خادمه الامين ايوب: «أَمجانا يخاف ايوب اللّٰه؟ اما سيَّجت انت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل جهة؟ باركْتَ عمل يديه، فانتشرت مواشيه في الارض. ولكن مد يدك ومس كل ما له، وانظر ان كان لا يلعنك في وجهك». بعد ذلك، اطلق الشيطان هذه التهمة: «جلد بجلد، وكل ما للانسان يعطيه لأجل نفسه». (اي ١:٩-١١؛ ٢:٤) فبهذه الكلمات اتَّهم الشيطان ايوب انه لا يخدم اللّٰه ويطيعه من كل قلبه بل لأسباب انانية، بهدف المنفعة الشخصية ليس إلا. وهكذا افترى الشيطان على اللّٰه مشكِّكا في سيادته، وعلى خدام اللّٰه مدَّعيا انهم لن يحافظوا على استقامتهم ويؤيدوا هذه السيادة. فهو في الحقيقة ادَّعى ان ما من انسان على الارض يحافظ على استقامته ويؤيد سيادة يهوه اذا سُمح له، اي الشيطان، ان يجرِّبه.
قبِل يهوه ان يخوض هذه القضية. ولكن ليس السبب انه غير متأكد من ان سيادته عادلة وحقة. فهو لا يحتاج ان يثبت شيئا لنفسه. بل سمح بمرور الوقت لمعالجة المسألة بدافع المحبة لمخلوقاته الذكية. فأتاح للشيطان ان يجرِّب البشر بمرأى من الكون بأسره. وأعطى مخلوقاته الامتياز ان يبرهنوا كذب ابليس ويزيلوا التعيير عن اسم اللّٰه وعن اسمهم ايضا. ولأن الشيطان تملَّكه الغرور، ‹أُسلم الى حالة عقلية غير مرضية›. فقد كان يناقض نفسه حين تكلم مع حواء. (رو ١:٢٨) فهو من جهة اتَّهم اللّٰه انه لا يمارس سيادته بطريقة عادلة، لكنه من جهة اخرى اعتمد كما يتضح على عدل اللّٰه. فيبدو انه فكَّر ان اللّٰه سيضطر الى ابقائه على قيد الحياة في حال اثبت صحة اتهامه ان مخلوقات اللّٰه لن يبقوا امناء له تحت الامتحان.
بت القضية امر ضروري: ان بت قضية سيادة اللّٰه مهم جدا لجميع الاحياء، لأنها تؤثر فيهم جميعا. فما ان تُبتّ، لن تنشأ الحاجة اطلاقا الى طرحها من جديد. فكما يتضح، اراد يهوه ان تصير الاجوبة عن كل الاسئلة حول هذه القضية معروفة ومفهومة بالكامل. والاجراء الذي اتخذه يولِّد الثقة بأنه إله لا يتغير، يعظِّم سيادته، ويجعل كل الذين يختارون هذه السيادة يتوقون اليها اكثر ويفهمون ابعادها بشكل اوضح. — قارن مل ٣:٦.
قضية اخلاقية: اذًا، لا علاقة لهذه القضية بقدرة اللّٰه؛ فهي من حيث الاساس قضية اخلاقية. ولكن لأن اللّٰه غير منظور والشيطان يبذل كل جهده ليعمي اذهان البشر، فإن قدرة يهوه او حتى وجوده يُشكَّك فيهما احيانا. (١ يو ٥:١٩؛ رؤ ١٢:٩) والبشر لم يفهموا لماذا بقي اللّٰه صبورا ولطيفا، وصاروا متمردين اكثر. (جا ٨:١١؛ ٢ بط ٣:٩) لذلك اصبحت خدمة اللّٰه باستقامة تتطلب الايمان وتحمُّل العذاب. (عب ١١:٦، ٣٥-٣٨) لكنَّ يهوه يريد ان يعرف الجميع اسمه وأنه هو السيد الاسمى. ففي الماضي، قال لفرعون مصر: «لهذا ابقيتك، لكي اريك قدرتي ولكي يُعلن اسمي في كل الارض». (خر ٩:١٦) بطريقة مشابهة، يسمح اللّٰه بوجود هذا العالم وإلهه الشيطان ابليس وبأن يزداد شرُّهم، لكنه عيَّن وقتا ليهلكهم. (٢ كو ٤:٤؛ ٢ بط ٣:٧) صلَّى كاتب المزمور صلاة نبوية قائلا: ‹يعلمون انك اسمك يهوه، وحدك العلي على كل الارض›. (مز ٨٣:١٨) كما ان يهوه نفسه حلف: «لي ستنحني كل ركبة، ويحلف كل لسان، قائلا: ‹بيهوه البر كله والقوة›». — اش ٤٥:٢٣، ٢٤.
مَن شملت هذه القضية؟ بما ان ملاكا اخطأ وحرَّض الانسان على ارتكاب الخطية، فقد شملت القضية ايضا مخلوقات يهوه اللّٰه السماوية، بمن فيهم ابنه الاقرب اليه، مولوده الوحيد. وهذا الابن الذي طالما فعل ما يرضي اباه كان اكثر مَن يرغب في تبرئة سيادة يهوه، اي في تكذيب كل التُّهَم التي وُجِّهت اليها. (يو ٨:٢٩؛ عب ١:٩) واللّٰه اختاره لينجز هذا التعيين، فأرسله الى الارض حيث وُلد طفلا ذكرا من مريم العذراء. (لو ١:٣٥) وهو كان كاملا وبقي كاملا وبلا لوم طيلة حياته التي انتهت بموته ميتة مهينة. (عب ٧:٢٦) قال قبل موته: «الآن دينونة هذا العالم. الآن يُطرح حاكم هذا العالم خارجا» وذكر ايضا: «حاكم العالم آتٍ. وليس له يد عليَّ». (يو ١٢:٣١؛ ١٤:٣٠) فالشيطان لم تكن له يد على المسيح بمعنى انه لم يستطع كسر استقامته. لذلك حُكم عليه انه فاشل وبالتالي سيُطرح خارجا. وهكذا ‹غلب يسوع العالم›. — يو ١٦:٣٣.
يسوع المسيح، مبرِّئ سيادة يهوه: اذًا، اثبت يسوع المسيح بشكل كامل ان ابليس كذَّاب وأعطى جوابا نهائيا عن السؤال: هل يقدر الانسان ان يحافظ على امانته للّٰه مهما واجه من امتحانات وتجارب؟ لذلك عيَّن اللّٰه، صاحب السيادة العظمى، يسوع لينفِّذ مقاصده. فسيستخدمه لإزالة الشر وإبليس من الوجود. وحين يمارس يسوع هذه السلطة، ‹ستنحني كل ركبة ويعترف جهرا كل لسان بأن يسوع المسيح هو رب لمجد اللّٰه الآب›. — في ٢:٥-١١؛ عب ٢:١٤؛ ١ يو ٣:٨.
وبموجب هذه السلطة، يحكم الابن باسم ابيه و ‹يبيد› كل حكم وكل سلطة وقوة تقف في وجه سيادة يهوه. ويتضح مما قاله الرسول بولس ان يسوع المسيح سيعظِّم بعدئذ سيادة يهوه بشكل استثنائي. فقد ذكر بولس: «متى أُخضع للابن كل شيء، فحينئذ سيخضع هو نفسه ايضا للذي اخضع له كل شيء، ليكون اللّٰه كل شيء للكل». — ١ كو ١٥:٢٤-٢٨.
ويُظهر سفر الرؤيا انه بعد انتهاء حكم المسيح الالفي الذي سيضع فيه حدًّا لكل سلطة تحاول منافسة سيادة يهوه، سيُحَلُّ ابليس فترة قصيرة ويحاول ان يثير القضية من جديد. لكنَّ يهوه لن يضيِّع الوقت لمعالجة قضية بُتَّت من قبل. فسيُباد الشيطان وكل اتباعه الى الابد. — رؤ ٢٠:٧-١٠.
آخرون يقفون الى جانب يهوه: مع ان امانة المسيح اثبتت كاملا ان يهوه هو صاحب الحق في هذه القضية، يُسمح لآخرين ايضا ان يُثبتوا ذلك. (ام ٢٧:١١) والرسول بولس اظهر نتيجة محافظة المسيح على استقامته بما في ذلك موته الفدائي قائلا: «بعمل تبرير واحد يكون تبرير شتى الناس للحياة». (رو ٥:١٨) فأعضاء الجماعة، «الجسد» الذي عُيِّن المسيح رأسا له (كو ١:١٨)، يحافظون على استقامتهم حتى الموت تمثُّلا به، لذلك يُفرحه ان يصيروا شركاءه في الميراث كملوك معاونين له في حكم مملكته. (لو ٢٢:٢٨-٣٠؛ رو ٦:٣-٥؛ ٨:١٧؛ رؤ ٢٠:٤، ٦) كما ان رجالا ونساء امناء في الماضي حافظوا على استقامتهم رغم النقص البشري منتظرين بشوق تدبير اللّٰه. (عب ١١:١٣-١٦) وهناك ايضا كثيرون غيرهم سيحنون اخيرا ركبهم للّٰه تعبيرا عن شكرهم له واعترافا بكل صدق بسيادته العادلة والحقة. وهكذا تصح كلمات الترنيمة النبوية: «كل نسمة فلتسبِّح ياه. سبِّحوا ياه!». — مز ١٥٠:٦.