ناظرا الى الوراء الى ٩٣ سنة من العيش
كما رواها فردريك و. فرنز
في ١٢ ايلول ١٨٩٣ وُلد طفل ذكر في كوفينغتون، كنتاكي، التي تقع الى الجانب الجنوبي من النهر المواجه لسينسيناتي، اوهايو. وأبوه السعيد، ادوارد فردريك فرنز، وأمه المبتهجة، ايدا لويزني كروغر، سمَّيا ابنهما هذا فردريك وليم فرنز.
تلك كانت بداية الـ ٩٣ سنة من عيشي. وأبي، الذي وُلد في المانيا، ادَّعى انه من الكنيسة اللوثرية، فجعلني اعتمد بوضع الكاهن يده المبلَّلة على جبهتي. فمُلِئت شهادة معمودية، ووُضعت في اطار، وعُلِّقت على حائط منزلنا مع شهادتي معمودية اخويَّ الاكبرين، البرت ادوارد وهرمان فرديريك. وبعد ذلك بـ ٢٠ سنة فقط تعلَّمت كم كان مخالفاً للاسفار المقدسة اجراء ديني شكلي كهذا.
كان عندما انتقلنا الى شارع غريناب ان رأيت لاول مرة عربة دون حصان، سيارة مفتوحة ذات مقعدين، تجري قيادتها في الشارع. وبعد ذلك بسنوات رأيت طائرة لاول مرة. ثم سكنّا بالقرب من فرن كريغر حيث عمل ابي في الليالي كخباز. وكان يأتي الى المنزل في الصباح لينام. ثم بعد الظهر يكون حراً ليقضي بعض الوقت معنا نحن الصبيان.
عندما صرت في السن الدراسية أُرسلت اولاً الى مدرسة الابرشية والخدمات الدينية لكنيسة القديس يوسف الكاثوليكية الرومانية، اذ كانت في الجوار في الشارع الـ ١٢ وشارع غريناب. ولا ازال استطيع ان اذكر غرفة الصف في المدرسة. وفي احدى المناسبات طلب اليَّ «الاخ» الديني الذي كان يعمل كمعلم ان اجيء الى مقدمة الصف وأمد راحة يدي المفتوحة كي انال بضع ضربات بمسطرة طولها ١٢ انشا بسبب سوء سلوك من جهتي.
وأذكر ايضا الذهاب الى غرفة الاعتراف غير المضاءة في الكنيسة، والتحدث الى الكاهن وراء الجدار، وقول صلاة مستظهرة والاعتراف كم كنت صبيا رديئاً. وبعد ذلك ذهبت الى حاجز المذبح وجثوت هناك فيما وضع كاهن قطعة خبز في فمي، مناولاً اياي بذلك العشاء الرباني كما تعلِّم الكنيسة، فيما استبقى الخمر لنفسه ليشربها في ما بعد. كان هذا بداية تدريبي الديني الرسمي واحترامي للّٰه الذي كان سينمو في السنوات المقبلة.
بعد انهائي سنة واحدة في مدرسة الابرشية في السنة ١٨٩٩ انتقلت عائلتي الى الجانب الآخر من نهر اوهايو الى سينسيناتي، الى شارع ١٧ ماري (الذي يدعى الآن الشارع الـ ١٥ الشرقي). وفي هذه المرة أُرسلت الى المدرسة الرسمية ووُضعت في الصف الثالث. كنت تلميذا غير منتبه، وأذكر انه في احدى المناسبات أُرسلنا، التلميذ الذي على المكتب عن يميني وأنا، الى مكتب المدير بسبب سوء سلوكنا. وهناك طلب الينا كلينا المدير فيزسيمونز ان ننحني ونلمس رأس احذيتنا بأصابعنا فيما قام بعدد من الضربات بقضيب من الخيزران على مؤخرتنا. وكما يمكن ان تتوقعوا، فقد رسبت.
لكن ابي لم يُرد ان اقضي سنتين في الصف نفسه. ولذلك عندما ابتدأ الفصل الدراسي التالي اخذني الى مدرسة شارع ليبرتي، الى مكتب مدير المدرسة، السيد لوغان. وطلب من السيد لوغان ادراج اسمي في الصف الرابع. فاتخذ السيد لوغان موقفاً ودّياً مني وقال: «حسنا، ماذا يعرف الصبي.» وبعد ان اجبت عن عدد من الاسئلة الدقيقة اظهر ارتياحا واضحا وقال: «حسنا، يبدو انه مؤهل للصف الرابع.» وبهذه الطريقة رفَّعني شخصياً الى صف اعلى من ذاك الذي رسبت فيه. ومن ذلك الوقت تمتعت بالاستقرار وانكببت بجد على عملي المدرسي، ولم ارسب ثانية قط.
والاوجه الدينية لحياتي الفتية تغيَّرت ايضاً. فبطريقة ما اتصل ممثلو الكنيسة المشيخية الثانية في سينسيناتي بأمي، فقررت ارسال البرت وهرمان واياي الى مدرسة الاحد لتلك الكنيسة. وفي ذلك الوقت كان السيد فيشر مدير مدرسة الاحد، وبسِّي اوبار الشابة اصبحت معلمتي في مدرسة الاحد. وبهذه الطريقة اصبحت ملمّا بالكتاب المقدس الموحى به. وكم كنت شاكراً عندما منحتني معلمتي في مدرسة الاحد نسخة شخصية من الكتاب المقدس كهدية لعيد الميلاد!
صممت على جعلها ضرورة في حياتي ان اقرأ جزءا من الكتاب المقدس كل يوم. فأنتج ذلك صيرورتي ملمّا جدا بهذا الكتاب المقدس. وتأثيره المفيد منعني من التورط في الكلام والسلوك الفاسدين ادبيا لرفقاء صفي. فلا عجب اذا نظروا اليَّ كشخص مختلف.
المدرسة الثانوية والكلية
بعد تخرجي من المدرسة المتوسطة التي تنتهي في الصف الثالث في السنة ١٩٠٧ سمح لي والداي باكمال تعليمي ودخول مدرسة وودوارد الثانوية حيث حضر اخي الاكبر البرت مدة سنة واحدة. ومثله قررت اختيار المقرّر التعليمي الكلاسيكي. فاخترت دراسة اللاتينية — الدراسة التي تابعتها طوال السنوات السبع التالية.
ثم اتى وقت التخرج في ربيع السنة ١٩١١. وجرى اختياري لاكون ملقي خطبة الوداع عن مدرسة وودوارد الثانوية في حفلة التخرج التي كانت ستُقام في اكبر قاعة في سينسيناتي، ميوزيك هول.
وفي الوقت المحدد اجتمعت معا مدارس سينسيناتي الثانوية الثلاث — مدرسة وودوارد الثانوية، مدرسة هاغز الثانوية، ومدرسة وولنات هيلز الثانوية — من اجل حفلة التخرج. جلس المتخرجون من المدارس الثانوية في المنبر الكبير المواجه لقاعة مكتظة. وكانت الخطبة الافتتاحية معيَّنة لملقي خطبة الوداع عن مدرسة وودوارد الثانوية. والموضوع الذي اخترته للمناسبة كان «المدرسة والمواطنية.» ومُنح الخطباء الثلاثة جميعا تصفيقا حادا. كنت الآن في السنة الـ ١٨ من حياتي.
سمح لي والداي بمواصلة تعليمي، فدخلت جامعة سينسيناتي، مختاراً مقرّر الفنون الحرة. وصمّمت الآن ان اصبح كارزا مشيخيا.
الى جانب دراستي المستمرة للاتينية اضفت الآن دراسة اليونانية. وكم كانت بركة ان ادرس لغة الكتاب المقدس اليونانية تحت اشراف الاستاذ آرثر كينسلا! وباشراف الدكتور جوزيف هاري، مؤلف بعض الاعمال اليونانية، درست ايضاً اليونانية الكلاسيكية. وعرفت انني اذا اردت ان اصبح كاهنا مشيخيا يجب ان اتمكن من لغة الكتاب المقدس اليونانية. فانكببت عليها بشدة ونلت علامات ناجحة.
وبالاضافة الى دراسة اليونانية واللاتينية في المدرسة صرت مهتماً بتعلم الاسبانية، التي وجدتها شبيهة الى حد ما باللاتينية. ولم ادرك في ذلك الوقت كم كنت سأستطيع استخدام الاسبانية في خدمتي المسيحية.
واحدى النقاط البارزة في حياتي الاكاديمية كانت عندما اعلن الدكتور ليون، رئيس الجامعة، لحشد من التلاميذ في قاعة الجامعة انه جرى اختياري للذهاب الى جامعة ولاية اوهايو لاجراء امتحانات تنافسية مع الآخرين لربح جائزة منحة سيسيل رودز الدراسية، التي تؤهلني للدخول في جامعة اوكسفورد في انكلترا. وأحد المتبارين فاقني بحقل الالعاب الرياضية، ولكن بسبب علاماتي المماثلة ارادوا ارسالي معه الى جامعة اوكسفورد. قدَّرت كوني على مستوى المتطلبات لنيل المنحة الدراسية، ومن الطبيعي ان يكون ذلك سارا جدا.
«هذا هو الحق!»
نذكر انه في احدى المناسبات قال يسوع المسيح لتلاميذه: «تعرفون الحق والحق يحرركم.» (يوحنا ٨:٣٢) وفي السنة السابقة، ١٩١٣، حصل اخي البرت على «الحق» في شيكاغو. فكيف حصل البرت على «الحق»؟
في يوم سبت ليلا، في ربيع ١٩١٣، أوى البرت الى الفراش باكراً في مهجع جمعية الشبان المسيحيين حيث كان يسكن وهو يعمل في شيكاغو. وفي ما بعد اندفع رفيقه في الغرفة فجأة الى الغرفة ليوضح مشكلة. فقد دُعي في تلك الليلة الى منزل السيد والسيدة هيندمان، وكانت ابنتهما نورا ستستقبل احدى صديقاتها هناك في المنزل. فتاتان هما اكثر من ان يتولى امرهما رفيق غرفة البرت وحده. وبخفة نهض البرت الى المناسبة. وفي اثناء الامسية كان رفيق غرفة البرت منسجما تماما مع الشابتين. ولكنّ السيد والسيدة هيندمان ركَّزا على البرت، مطلعين اياه على تعاليم جمعية برج المراقبة للكتاب المقدس والكراريس.
ارسل اليَّ البرت بعدئذ كراسا بعنوان «اين هم الموتى؟» كتبه دكتور اسكتلندي، جون ادغار، عضو في جماعة غلاسكو لتلاميذ الكتاب المقدس الامميين. في بادئ الامر وضعت الكراس جانباً. ثم، في احدى الامسيات، اذ كان لديَّ بعض الوقت قبل الذهاب الى تمارين الجوقة، ابتدأت اقرأه. لقد وجدته ممتعا جدا حتى لم استطع ان اتركه. وتابعت قراءتي له فيما مشيت حوالى ميل الى الكنيسة المشيخية. واذ كان باب الكنيسة لا يزال مقفلاً جلست على الدرج الحجري البارد وواصلت القراءة. فجاء العازف على الارغن، واذ لاحظ كم كنت منهمكا في ما اقرأه قال: «لا بد ان يكون ذلك شيئا ممتعا.» فأجبت: «انه كذلك بالتأكيد!»
بما انني استمتعت كثيرا بالحقائق الجديدة التي اتعلمها خطرت ببالي فكرة سؤال الكارز، الدكتور واتسون، عن رأيه في هذا الكراس. ولذلك في تلك الامسية عينها اعطيته الكراس وسألت: «دكتور واتسون، ماذا تعرف عن هذا؟»
اخذ الكراس وفتحه ثم قال ساخرا: «لا بد ان يكون هذا من اعمال ذلك الرجل رصل. ماذا يعرف عن علم الاخرويات؟» فوجئت حقاً بموقفه الازدرائي. واذ استرجعت الكراس وانصرفت فكرت في نفسي: «لا يهمني ما يفكر فيه. هذا هو الحق!»
قبل ان يمر وقت طويل، في احدى زياراته للمنزل، جلب لي البرت المجلدات الثلاثة الاولى من «دروس في الاسفار المقدسة،» لواضعها تشارلز تاز رصل. وعرَّفني البرت ايضا بالجماعة المحلية لتلاميذ الكتاب المقدس، التي كانت تجتمع في البيت المجاور للكنيسة المشيخية. سرني ما كنت اتعلمه وسرعان ما قررت ان الوقت قد حان لاقطع صلتي بالكنيسة المشيخية.
ولذلك في ما بعد، عندما كان البرت يزورنا ثانية، ذهبنا الى احدى محاضرات الدكتور واتسون في ايام الآحاد ليلا. وبعد ذلك سرنا البرت وأنا الى حيث كان يسلِّم على ابناء الابرشية المغادرين. فقلت له: «دكتور واتسون، سأترك الكنيسة.»
قال: «عرفت ذلك! عرفت ذلك! حالما رأيتك تقرأ اعمال ذلك الرجل رصل. ذلك الرجل، رصل. لا اسمح له بالدخول الى بيتي!» ثم اضاف: «فرِد، ألا تظن انه يحسن بنا ان نذهب الى حجرتي ونصلّي معاً؟» فقلت له: «كلا، دكتور واتسون، لقد اتخذت قراري.»
عند ذلك خرجنا البرت وأنا من الكنيسة. ويا له من شعور رائع ان اتحرر من عبودية نظام ديني كان يعلّم الاباطيل! وكم كان جيدا ان انضم الى جماعة تلاميذ الكتاب المقدس الامميين، الذين كانوا اولياء جدا لكلمة اللّٰه! وفي ٥ نيسان ١٩١٤، في شيكاغو، ايللينوي، رمزت الى تكريسي — كما كنا نسمي الانتذار — بمعمودية الماء.
لم اندم قط على انني، قبل اعلانات السلطات التعليمية في ما يتعلق بنتيجة الامتحانات من اجل منحة سيسيل رودز الدراسية بوقت قصير، كتبت رسالة الى السلطات وأشعرتهم بأنني فقدت الاهتمام بمنحة جامعة اوكسفورد الدراسية وأنه يجب ان يحذفوني من لائحة المتبارين. وقد فعلت ذلك رغم ان استاذي في اليونانية في الجامعة، الدكتور جوزيف هاري، اعلمني انه جرى اختياري لنيلها.
وبعد شهرين، اي في ٢٨ حزيران ١٩١٤، جرى اغتيال فرديناند ولي عهد النمسا-المجر وزوجته في ساراجيفو في البوسنة. في ذلك التاريخ عينه كان تلاميذ الكتاب المقدس الامميون يجتمعون لليوم الثالث من محفلهم العام في قاعة مموريال، كولومبس، اوهايو. وبعد شهر واحد فقط، اي في ٢٨ تموز ١٩١٤، نشبت اول حرب عالمية في التاريخ البشري كله. ونحن تلاميذ الكتاب المقدس كنا نتوقع نهاية ازمنة الامم التي يبلغ طولها ٥٢٠,٢ سنة عند حلول ١ تشرين الاول من تلك السنة.
بسماح من ابي تركت جامعة سينسيناتي في ايار ١٩١٤، قبل نهاية فصلي الثالث هناك كطالب في الصف ما قبل الاخير بأسبوعين فقط. وحالا رتبت مع جمعية برج المراقبة للكتاب المقدس والكراريس ان اصير موزعا جائلا للمطبوعات، اي فاتحا، كما يدعى اليوم خادم كامل الوقت كهذا. وفي ذلك الحين كنت قد اصبحت مقترناً بنشاط بجماعة سينسيناتي لتلاميذ الكتاب المقدس الامميين.
وفي ما بعد اصبحت شيخا في جماعة سينسيناتي. ولذلك عندما انهمكت الولايات المتحدة الاميركية في الحرب العالمية الاولى الى جانب الحلفاء، وجرى طلب الشبان الى الجيش، جرى اعفائي كخادم للانجيل.
التعرف بالاخ رصل
بين حوادث حياتي التي انظر الى الوراء اليها باعزاز هي الاوقات التي حصلت فيها على فرح لقاء رئيس الجمعية الاول، تشارلز تاز رصل. تعرفت به شخصياً اولا في اليوم الذي سبق العرض الاول لـ «رواية الخلق المصورة» في ميوزيك هول يوم الاحد في ٤ كانون الثاني ١٩١٤. ففي ذلك السبت قابلني شيخ من جماعة سينسيناتي خارج ميوزيك هول وقال: «الاخ رصل في الداخل، واذا ذهبت وراء الكواليس يمكنك ان تراه.» دخلت بشوق كبير ومن ثم وجدت نفسي اتحدث اليه وجهاً لوجه. لقد جاء لمعاينة الترتيبات لذلك العرض الاول لـ «رواية الخلق المصورة.»
ثم في السنة ١٩١٦ حدث ان كان ينتظر قطارا في سينسيناتي وكانت هنالك ساعات من التأخر. واذ أُخبرنا بذلك اسرعنا، احدى الاخوات وأنا، الى محطة السكة الحديدية حيث وجدناه مع سكرتيره. وكان قد جلب معه طعام غدائه، وعندما حان وقت الغداء اشركنا معه فيه.
عندما انتهينا من الغداء سأل عما اذا كان لدى ايّ منا سؤال من الكتاب المقدس. فسألت عن احتمال قيامة آدم نظراً الى واقع كونه خاطئا متعمدا غير تائب. وببريق في عينه اجاب: «يا اخي، انت تطرح سؤالاً وتجيب عنه في الوقت نفسه. والآن، ماذا كان سؤالك؟»
«السر المنتهي»
يوم الثلاثاء في ٣١ تشرين الاول ١٩١٦ مات تشارلز تاز رصل دون ان ينتج المجلد السابع من سلسلته عن «دروس في الاسفار المقدسة.» وعندما كان على فراش موته، وهو في قطار عائد من كاليفورنيا، سأله سكرتيره عن المجلد السابع فأجاب: «يجب ان يكتب ذلك شخص آخر.»
وفي السنة التالية، ١٩١٧، ظهر المجلد السابع كتعليق على سفري حزقيال والرؤيا النبويين، مع شرح رائع لسفر نشيد الانشاد في الكتاب المقدس. وخططت الجمعية لتوزيع هائل للكتاب الجديد. ولذلك ارسلوا صناديق من هذا المجلد السابع الى بعض الاشخاص في الجماعات في كل انحاء الولايات المتحدة. وأُرسلت صناديق كثيرة الى منزلي في ١٨١٠ شارع بايميللر، سينسيناتي، اوهايو، وخُزنت فيما انتظرنا ارشادات اضافية عن كيفية توزيع المحتويات.
كانت هنالك ثماني صفحات من «السر المنتهي» تحتوي على اقتباسات مما اعلنته على نحو مضاد شخصيات بارزة عن الحرب. وبتحريض من الهيئات الدينية للعالم المسيحي، الكاثوليكية والبروتستانتية، اثارت حكومة الولايات المتحدة اعتراضات، فأُلغيت الصفحات ٢٤٧-٢٥٤. وبعد ذلك عند عرض «السر المنتهي» على الناس جرى الشرح لهم لماذا هذه الصفحات ناقصة. لم تكتف حكومة الولايات المتحدة بهذه الحركة، وبتحريض اضافي من الهيئات الدينية في البلد حظرت المجلد السابع من «دروس في الاسفار المقدسة» بكامله.
أذكر انه في صباح احد ايام الآحاد كنت اعمل عند الباب الخلفي لمنزلنا. فجاء رجال يسيرون في الممشى بجانب المنزل، وقلب القائد طيَّة صدر معطفه وأراني شارته المعدنية وطلب الدخول الى البيت. فاضطررت ان ادخلهم وأريهم الصناديق التي تحتوي على نسخ من «السر المنتهي.» وبعد بضعة ايام ارسلوا شاحنة وأخذوها كلها.
وفي ما بعد علمنا ان جوزيف ف. رذرفورد، الرئيس الثاني لجمعية برج المراقبة، وستة من عشرائه الذين يخدمون في مركز بروكلين الرئيسي جرت ادانتهم بصورة خاطئة لمعارضتهم المجهود الحربي للولايات المتحدة. وحُكم عليهم بقضاء ٢٠ سنة في سجن اتلانتا الاصلاحي الفدرالي في كل من الفقرات الاتهامية الاربع، ولكنَّ الاحكام كانت ستجري على نحو متزامن. وانتهت الحرب في ١١ تشرين الثاني ١٩١٨، ثم في ٢٥ آذار ١٩١٩ أُطلق سراح الاخ رذرفورد وعشرائه بكفالة. وفي ما بعد جرت تبرئتهم تماما. كما ان الحظر رُفع عن كتاب «السر المنتهي» وأُجيز توزيعه بحرية مرة اخرى.
كم كان منعشاً لارواحنا ان ترتب الجمعية لمحفلنا الاول بعد الحرب في سيدر بوينت، التي تقع على قمة منتجع شبه جزيرة قرب سانداسكي، اوهايو، في ١-٨ ايلول ١٩١٩! وكان امتيازا مبهجا جدا ان احضر ذلك المحفل.
دعوتي الى بيت ايل
في السنة التالية ١٩٢٠ قبل الرئيس رذرفورد دعوة لالقاء خطاب على جمهور عام في سينسيناتي، اوهايو. وكنت اقوم بعمل موزع جائل للمطبوعات في ذلك الوقت، فدعاني الاخ رذرفورد لاكتب اليه رسالة طالبا الخدمة في المركز الرئيسي لبيت ايل في بروكلين.
ارسلت الرسالة، وبعد تسلّمي جوابا مؤاتيا ركبت القطار الى مدينة نيويورك. وفي يوم الثلاثاء ليلا، ١ حزيران ١٩٢٠، وصلت الى هناك والتقاني بيل، صديق قديم من لويسفيل، كنتاكي، فاقتادني الى بيت ايل. وفي اليوم التالي، الاربعاء، جرى تعييني رسمياً في غرفة مع هيغو رايمر وكلارنس بيتي في علية، صائراً العدد ١٠٢ من عائلة بيت ايل في بروكلين.
كانت الجمعية قد اسست مبناها الاول للطباعة في ٣٥ شارع ميرتل، حيث رُكِّبت في الطبقة السفلى تحت الارض مطبعتنا الرحوية الاولى، التي سميناها البارجة بسبب حجمها. كنا ننتج مجلة الجمعية الجديدة بعنوان «العصر الذهبي» — التي سُميت في ما بعد «التعزية» والآن «استيقظ!» واذ كانت المجلات تخرج من خلال فتحة ضيقة مستطيلة في الارض، وتنتقل على جهاز سلكي فوق لوح منحدر، كنت اجمعها وأهزها واكدّسها لتشذيبها وارسالها في ما بعد.
وفي صباح يوم السبت، حين لا تنتج المطبعة المجلات، كان عدد منا نحن الاخوة يلفّ المجلات في صحائف مطوية بنية اللون تحتوي على اسماء وعناوين المشتركين. ثم كنا نختمها لارسالها بواسطة مكتب البريد. واصلت هذا العمل لعدد من الاشهر الى ان غادر دونالد هاسليت، الذي كان يخدم في دائرة موزعي المطبوعات الجائلين، ليتزوج مايبل كاتل. وحينئذ جرى نقلي من ٣٥ شارع ميرتل الى مكتب الجمعية في ١٢٤ كولومبيا هايتس لاخدم في دائرة موزعي المطبوعات الجائلين.
وايضا، كعضو في جماعة نيويورك، جرى تعييني لادير درس الكتاب في منزل عائلة افترمان في منطقة ريدجوود في بروكلين.
امتيازات الاذاعة والمحافل
واصلت الخدمة في دائرة موزعي المطبوعات الجائلين حتى سنة ١٩٢٦. وفي هذه الاثناء اسست جمعية برج المراقبة للكتاب المقدس والكراريس في جزيرة ستايتن اول محطة اذاعية لها، WBBR. كان ذلك في السنة ١٩٢٤. وحصلت على الامتياز المبهج للخدمة في برامج الجمعية، ليس فقط لالقاء الخطابات بل ايضاً لتقديم لحن منفرد بطبقة صوت عالية، وحتى للعزف على المندولين بمرافقة البيانو. وفضلاً عن ذلك، رنمت كصوت ثان في رباعية ذكور اذاعتنا WBBR. وطبعاً، كان الاخ رذرفورد، بصفته رئيس الجمعية، الخطيب البارز في WBBR وكان لديه جمهور ضخم من المستمعين.
كان في السنة ١٩٢٢ ان عُقد محفل عام لجمعية برج المراقبة للكتاب المقدس والكراريس للمرة الثانية في سيدر بوينت، اوهايو. وهنا حضَّنا الاخ رذرفورد بقوة، «اعلنوا، اعلنوا، اعلنوا الملك وملكوته.»
وأحد امتيازاتي التي اقدرها جدا في العشرينات كان الخدمة مع الاخ رذرفورد في المحفل الاممي في لندن، انكلترا، في السنة ١٩٢٦. وهناك ألقى خطابه العام في قاعة ألبرت الملكية في لندن امام جمهور كبير بعد ان رنمت لحنا منفردا بطبقة صوت عالية بمرافقة ارغن القاعة الشهير.
وفي الليلة التالية ألقى خطابا على جمهور يهودي عن «فلسطين لليهود — لماذا؟» ورنمت لحناً منفردا من هاندلز مسايا، «عزّوا شعبي.» وحضر بضعة آلاف من اليهود تلك المناسبة الخصوصية. وفي ذلك الوقت كنا نطبق على نحو خاطئ نبوات من الاسفار العبرانية على اليهود الجسديين المختونين. أما في السنة ١٩٣٢ ففتح يهوه اعيننا لنرى ان تلك النبوات تنطبق على اسرائيل الروحي.
وكم كان مثيراً ان اكون في محفل كولومبس، اوهايو، في السنة ١٩٣١ عندما قدَّم الاخ رذرفورد ‹الاسم الجديد› شهود يهوه، فتبنيناه جميعا بحماسة! وبعد ذلك حالا تبنت كل جماعات شعب يهوه حول الارض ذلك ‹الاسم الجديد.› — قارنوا اشعياء ٦٢:٢.
ويوم الجمعة في ٣١ ايار ١٩٣٥ كنت اخدم كقائد اوركسترا في المقدّمة مباشرة تحت منصة المسرح التي منها ألقى الاخ رذرفورد محاضرته التي افتتحت فترة جديدة عن الرؤيا ٧:٩-١٧، محدداً لنا على نحو صحيح هوية عضوية «الجمع الكثير» الذي يجري وصفه هناك. وما يسمى بصف يوناداب دُعي الى الحضور بصورة خصوصية، وصار سبب ذلك واضحاً عندما اظهر الاخ رذرفورد ان «الجمع الكثير» كان سيتألف من ‹الخراف الاخر› ‹للراعي الصالح› يسوع المسيح. (يوحنا ١٠:١٤، ١٦) وكان ذلك مناسبة مثيرة. وكم كان مبهجاً للقلب بالنسبة اليَّ ان يجري في اليوم التالي، السبت في ١ حزيران، تغطيس ٨٤٠ من المحتفلين في الماء رمزاً الى انتذارهم للّٰه بواسطة المسيح بهدف انتظار فردوس ارضي! ومن ذلك الوقت فصاعداً استمر عدد ‹خراف المسيح الاخر› في الازدياد حتى فاق بكثير عضوية «القطيع الصغير» المتضائلة من التلاميذ المشبهين بالخراف المولودين من الروح للراعي الصالح، يسوع المسيح. — لوقا ١٢:٣٢.
ولكن، عندما نشبت الحرب العالمية الثانية في السنة ١٩٣٩، بدا وكأن ذلك عنى نهاية تجميع ‹الجمع الكثير.› وأذكر قول الاخ رذرفورد لي ذات يوم: «حسناً يا فرِد، يبدو وكأن ‹الجمع الكثير› لن يكون مع ذلك كثيرا.» ولم ندرك التجميع العظيم الذي كان لا يزال امامنا.
قدمت الجمعية الفونوغراف القابل للحمل في السنة ١٩٣٤، واستُخدمت تسجيلات لمحاضرات الرئيس رذرفورد للتعريف بمطبوعات الكتاب المقدس. وعندما صدرت تسجيلاته، المترجمة بالاسبانية، ركَّزت على استخدامها في الوصول الى الناس الذين يتكلمون الاسبانية في جوار مصنعنا في ١١٧ شارع آدمز. ثم، بواسطة الزيارات المكررة، ساعدت الاشخاص المهتمين على تعلم حقائق الكتاب المقدس، وبهذه الطريقة نلت اخيرا امتياز تنظيم اول جماعة تتكلم الاسبانية في بروكلين. وانتميت الى جماعة بروكلين الاسبانية، رقم ١، منذ تشكيلها.
تغييرات في رئاسة الجمعية
عند موت الاخ رذرفورد في ٨ كانون الثاني ١٩٤٢ خلفه ناثان ه. نور في رئاسة الجمعية. ورغم الحرب العالمية الثانية الهائجة، فان خطابه العام في صيف ١٩٤٢ عن موضوع «السلام — هل يمكن ان يدوم؟» قلب نظرتنا الى المستقبل القريب. وبعد ذلك بوقت قصير افتتح الاخ نور مدرسة جلعاد برج المراقبة للكتاب المقدس في مزرعة الملكوت يوم الاثنين في ١ شباط ١٩٤٣، ومئة تلميذ ألَّفوا الصف الاول. وكان لي امتياز الخدمة في البرنامج لمناسبة التدشين. وخدم الاخوة ادواردو كيلر، ماكسويل ج. فراند، فيكتور بلاكويل، وألبرت د. شرودر كأساتذة.
وفي خطابه الافتتاحي اعلمنا الاخ نور ان الجمعية لديها مال كافٍ لابقاء المدرسة مستمرة مدة خمس سنوات. ولكن انظروا اليوم، فقد ابقى يهوه اللّٰه الكلي القدرة المدرسة تعمل تسعة اضعاف تلك الفترة من الوقت!
كان امتيازا عظيما ان اعاشر ناثان ه. نور. ولم ادرك عندما جرى تغطيسه. بعد المحاضرة التي ألقيتها على مرشحي المعمودية في ٤ تموز ١٩٢٣، بجانب نهر ليهاي الصغير خارج بلدته ألنتاون، بنسلفانيا، انه سيصير الرئيس الثالث لجمعية برج المراقبة للكتاب المقدس والكراريس.
وفي اثناء رئاسة الاخ نور سافرت على نحو واسع، ملقيا خطابات على تجمعات كبيرة من الاخوة حول العالم — بما في ذلك اميركا اللاتينية واستراليا — مشجعاً اياهم على البقاء امناء. وفي احدى هذه المناسبات، في السنة ١٩٥٥، عندما كان هنالك حظر على عمل شهود يهوه في اسبانيا، خدمت محفلا سريا في الغابات خارج برشلونة. فأحاط بوليس سري مسلح بتجمعنا المؤلف من الاخوة الاسبان، وأُخذ الرجال في شاحنات الى مركز البوليس الرئيسي. وهناك احتُجزنا واستُجوبنا. واذ كنت مواطنا اميركيا تظاهرت بأنني لا اعرف الاسبانية. وايضاً فرَّت اختان وأخبرتا القنصلية الاميركية عن احتجازي، فاتصلوا بدورهم بالبوليس. ولرغبتهم في تجنب حادثة دولية ودعاية مضادة اطلقوا سراحنا اخيراً نحن الاجانب، وفي ما بعد الاخوة الآخرين. وبعد ذلك اجتمع عدد منا معاً في منزل الاخوة سيرانوا وفرحنا جدا بانقاذ يهوه لشعبه. وفي السنة ١٩٧٠ منحت اسبانيا الاعتراف الشرعي لشهود يهوه. واليوم لدينا مكتب فرع قرب مدريد، وهذه السنة الماضية شملت الهيئة في اسبانيا اكثر من ٠٠٠,٦٥ ناشر للملكوت وبجماعات في كل انحاء البلد.
وفي ٨ حزيران ١٩٧٧ توفي ناثان ه. نور، منهياً مسلكه الارضي، فخلفته في مكتب رئاسة الجمعية. لقد خدم الاخ نور لاكثر من ٣٥ سنة في الرئاسة، مدة اطول من كل من رئيسي الجمعية السابقين، رصل ورذرفورد. وكعضو في الهيئة الحاكمة لشهود يهوه، جرى تعييني لاخدم في لجنة النشر وفي لجنة الكتابة للهيئة الحاكمة.
انه امتياز عظيم وسرور حقا ان اواصل خدمتي في مكاتب الجمعية في ٢٥ كولومبيا هايتس. وهذا يتطلب في ايام العمل سيرا قانونيا بين المكاتب العامة وبيت ايل — تمرين جسدي ممتاز للجسم المسن. ورغم انني ابلغ من العمر ٩٣ سنة ونظري يضعف، فأنا سعيد جدا لان يهوه باركني بصحة جيدة حتى انني لم اخسر يوم عمل واحدا بسبب المرض طوال ٦٦ سنة في بيت ايل، ولا ازال استطيع ان اخدم كامل الوقت. لقد كان رضى الهيا ان اكون هنا منذ السنة ١٩٢٠ وأرى نمو وتوسع الهيئة في مركز بروكلين الرئيسي وحول العالم.
وبثقة تامة بالمتسلط الكوني، يهوه اللّٰه، وقائده الاعلى، يسوع المسيح، الذي هو فوق الحشود التي لا تُحصى من السرافيم والكروبيم وملائكة السماء القديسين، اتطلع الى الامام عند هذه الكتابة، مع ملايين من الرفقاء الشهود، الى ما يُظهر الكتاب المقدس انه لا يزال يكمن امامنا: دمار بابل العظيمة، الامبراطورية العالمية للدين الباطل، وقتال اليوم العظيم للّٰه القادر على كل شيء في هرمجدون، الذي يبلغ ذروته في انتصار الانتصارات من جهة المتسلط الكوني، يهوه اللّٰه، الذي هو «منذ الازل الى الابد.» هللويا! — مزمور ٩٠:٢.
[الصورة في الصفحة ٢٦]
[الصورة في الصفحة ٢٧]
في الوسط الادنى مع الرفقاء العاملين في بيت ايل ١٩٢٠
[الصورة في الصفحة ٢٨]
مع ن. ه. نور ١٩٦١
[الصورة في الصفحة ٢٩]
يلقي خطابا في محفل في اليابان ١٩٧٨