هل علَّمت الكنيسة الباكرة ان اللّٰه ثالوث؟
الجزء ٣ — هل علَّم المدافعون عقيدة الثالوث؟
في عدديها ١ تشرين الثاني ١٩٩١، و ١ شباط ١٩٩٢، اظهرت برج المراقبة ان عقيدة الثالوث لم يعلِّمها يسوع وتلاميذه ولا الآباء الرسوليون في وقت متأخر من القرن الاول ووقت باكر من القرن الثاني بم. فهل علَّمها رجال الكنيسة لاحقا في القرن الثاني؟
منذ نحو منتصف القرن الثاني من عصرنا الميلادي الى نهايته، ظهر هنالك رجال كنيسة يُدعون اليوم المدافعين. فكتبوا لحماية المسيحية التي يعرفونها من الفلسفات العِدائية السائدة في العالم الروماني لذلك الوقت. وظهر عملهم نحو نهاية، كتابات الآباء الرسوليين، وبعدها.
وكان بين المدافعين الذين كتبوا باليونانية يوستينوس الشهيد، تتيانوس، اثيناڠوراس، ثيوفيلوس، واقليمس الاسكندري. وكان ترتليانوس مدافعا كتب باللاتينية. فهل علَّموا ثالوث العالم المسيحي العصري — ثلاثة اقانيم متساوية (الآب، الابن، والروح القدس) في ذات الهية، اذ يكون كل واحد الها حقيقيا، ومع ذلك لا يوجد ثلاثة آلهة بل اله واحد؟
«الابن خاضع»
يعلِّق الدكتور ه. ر. بور، في كتابه تاريخ موجز للكنيسة الباكرة، على القوة الدافعة لتعليم المدافعين:
«علَّم يوستينوس [الشهيد] انه قبل خلق العالم كان اللّٰه وحده وأنه لم يكن هنالك ابن. . . . وعندما رغب اللّٰه في خلق العالم، . . . ولد كائنا الهيا آخر ليخلق العالم له. وهذا الكائن الالهي دُعي . . . ابنا لانه وُلِد؛ ودُعي لوغوس لانه أُخذ من فكر او عقل اللّٰه. . . .
«ولذلك علَّم يوستينوس والمدافعون الآخرون ان الابن مخلوق. وأنه مخلوق عالي المنزلة، مخلوق قوي كفاية لخلق العالم ولكنه، مع ذلك، مخلوق. وفي علم اللاهوت فإن علاقة الابن هذه بالآب تُدعى المرؤوسية. والابن خاضع، اي ثانوي بالنسبة الى، معتمد على، وأتى الى الوجود بواسطة الآب. وكان المدافعون انصارَ المرؤوسية.»١
وفي الكتاب تكوين العقيدة المسيحية، يقول الدكتور مارتن ورنر عن الفهم الابكر لعلاقة الابن باللّٰه:
«فُهمت تلك العلاقة بشكل واضح انها علاقة ‹خضوع›، اي بمعنى خضوع المسيح للّٰه. وفي ايّ مكان في العهد الجديد تُدخَل في الحساب علاقة يسوع باللّٰه، الآب، . . . وتُعتبَر وتُمثَّل بصفتها خضوعا بشكل قاطع. ونصير المرؤوسية الاكثر حسما للعهد الجديد، استنادا الى سجل الاناجيل المتشابهة، كان يسوع نفسه . . . هذا المركز الاصلي، اذ يكون ثابتا وواضحا كما كان، استطاع ان يحافظ على نفسه لمدة طويلة من الزمن. ‹كل اللاهوتيين العظماء قبل مجمع نيقية مثَّلوا خضوع لوغوس للّٰه.›»٢
وانسجاما مع ذلك، يذكر ر. پ. سي. هَنسون، في البحث عن العقيدة المسيحية للّٰه:
«ليس هنالك لاهوتي في الكنيسة الشرقية او الغربية قبل نشوب الجدال الآريوسي [في القرن الرابع]، لا ينظر بمعنى ما الى الابن كخاضع للآب.»٣
ويضيف الدكتور ألڤان لامسون، في كنيسة القرون الثلاثة الاولى، هذه الشهادة في ما يتعلق بتعليم السلطات الكنسية ما قبل مجمع نيقية (٣٢٥ بم):
«اكَّد آباء ما قبل مجمع نيقية مرتبةَ الابن الادنى عموما، إن لم يكن على نحو متماثل . . . وأنهم نظروا الى الابن بصفته متميزا من الآب هو واضح من الظرف انهم اكَّدوا بصراحة مرتبته الادنى. . . . اعتبروه متميزا وخاضعا.»٤
وعلى نحو مماثل، في الكتاب الآلهة والاله الواحد، يقول روبرت م. ڠرانت ما يلي عن المدافعين:
«ان علم لاهوت المسيح للدفاعات، كذاك الذي للعهد الجديد، هو من حيث الاساس نصير المرؤوسية. فالابن خاضع دائما للآب، الذي هو الاله الواحد للعهد القديم. . . . اذًا ما نجده في هؤلاء المؤلِّفين الاولين، ليس عقيدة الثالوث . . . فقبل نيقية، كان اللاهوت المسيحي تقريبا نصير المرؤوسية بشكل عام.»٥
وثالوث العالم المسيحي يعلِّم ان الابن مساوٍ للّٰه الآب في السرمدية، القدرة، المركز، والحكمة. ولكنَّ المدافعين قالوا ان الابن لم يكن مساويا للّٰه الآب. ونظروا الى الابن بصفته خاضعا. وذلك ليس تعليم الثالوث.
الاعراب عن تعليم القرن الاول
اعرب المدافعون وآباء الكنيسة الباكرة الآخرون الى حد بعيد جدا عما علَّمه مسيحيو القرن الاول عن علاقة الآب والابن. لاحظوا كيف يُعبَّر عن ذلك في الكتاب تكوين العقيدة المسيحية:
«في العصر المسيحي الباكر لم تكن هنالك اية اشارة الى ايّ نوع من المسائل او النزاعات الثالوثية، كالتي انتجت لاحقا صراعات عنيفة في الكنيسة. والسبب لذلك يكمن دون شك في واقع انه، بالنسبة الى المسيحية الاولى، كان المسيح . . . كائنا من عالم الملائكة السماوي الرفيع، خلقه واختاره اللّٰه من اجل مهمة ان يجلب، عند نهاية العصور، . . . ملكوت اللّٰه.»٦
وأيضا في ما يتعلق بتعليم آباء الكنيسة الابكر، تعترف دائرة معارف الكتاب المقدس القانونية الاممية:
«في التفكير الابكر للكنيسة فإن الميل عند التكلُّم عن اللّٰه الآب هو تصوُّره اولا، لا كأب ليسوع المسيح، بل كمصدر لكل كائن. ولذلك فإن اللّٰه الآب كما لو انه اللّٰه الذي لا مثيل له. وإليه تُنسب صفات مثل بلا بداية، خالد، غير متغير، فائق الوصف، غير منظور، وغير مخلوق. انه هو الذي صنع كل الاشياء، بما فيها مادة الخلق عينها، من العدم. . . .
«قد يبدو ذلك انه يقترح ان الآب وحده هو اللّٰه بلياقة والابن والروح هما كذلك بشكل ثانوي فقط. وكثير من العبارات الباكرة تظهر لتدعم ذلك.»٧
وبينما تتابع دائرة المعارف هذه للتقليل من اهمية هذه الحقائق وللادِّعاء ان عقيدة الثالوث كانت مقبولة في تلك الفترة الباكرة، تكذِّب الوقائع الادِّعاء. تأملوا في كلمات عالم اللاهوتي الكاثوليكي الشهير جون هنري الكاردينال نيومان:
«لنسلِّم بأن سلسلة العقائد بكاملها، التي يكون ربنا موضوع البحث فيها، اعترفت بها الكنيسة الاولى على نحو متوافق ومتماثل . . . ولكنَّ الامر مختلف في عقيدة الثالوث الكاثوليكية. ولا ارى بأيّ معنى يمكن ان يُقال ان هنالك اجماعا على الرأي عند [السلطات الكنسية] الاولى لمصلحتها . . .
«لم يذكر قانون الايمان المسيحي لذاك الزمن الباكر . . . [الثالوث] على الاطلاق. انه تذكر في الواقع ثلاثة؛ أما ان يكون هنالك ايّ سر في العقيدة، ان الثلاثة هم واحد، انهم متساوون، سرمديون، غير مخلوقين جميعا، قادرون على كل شيء جميعا، غير مفهومين جميعا، فذلك غير مذكور، ولا يُمكن ان يُستنتج ذلك منه ابدا.»٨
ما علَّمه يوستينوس الشهيد
ان احد المدافعين الاولين كان يوستينوس الشهيد، الذي عاش من السنة ١١٠ الى السنة ١٦٥ بم تقريبا. ولا تذكر اية من كتاباته الموجودة ثلاثة اقانيم متساوية في اله واحد.
وعلى سبيل المثال، استنادا الى الكتاب المقدس الاورشليمي الكاثوليكي، تقول الامثال ٨:٢٢-٣٠ عن يسوع قبل بشريته: «خلقني يهوِه عندما انكشف قصده اولا، قبل اقدم اعماله. . . . لم يكن غمر، حين أُنجبتُ . . . قبل التلال، وُلدتُ . . . كنت بجانبه [اللّٰه]، صانعا ماهرا.» واذ يناقش هذه الاعداد، يقول يوستينوس في الحوار مع تريفو الذي له:
«تؤكِّد الاسفار المقدسة ان الآب وَلد هذه الذرية قبل كلِّ الاشياء المخلوقة؛ وأن هذا الذي وُلد متميز عدديا من الذي وَلد، وأيّ امرئ يعترف بذلك.»٩
وبما ان الابن وُلد من اللّٰه، يستعمل يوستينوس التعبير «اله» في ما يتعلق بالابن. ويذكر في الدفاع الاول الذي له: «لأبي الكون ابن؛ وهو ايضا اله لكونه كلمة اللّٰه المولود اولا.»١٠ ويشير الكتاب المقدس ايضا الى ابن اللّٰه بلقب «اله.» ففي اشعياء ٩:٦ يُدعى «الها قديرا.» ولكن في الكتاب المقدس يُدعى الملائكة، البشر، الآلهة الباطلة، والشيطان ايضا «آلهة.» (الملائكة: مزمور ٨:٥، عج؛ قارنوا عبرانيين ٢:٦،٧. البشر: مزمور ٨٢:٦. الآلهة الباطلة: خروج ١٢:١٢؛ ١ كورنثوس ٨:٥. الشيطان: ٢ كورنثوس ٤:٤.) وفي الاسفار العبرانية، ان الكلمة التي تقابل «اله،» ايل، تعني «قدير» او «قوي.» والكلمة المعادلة لها في الاسفار اليونانية هي ثيوس.
وفضلا عن ذلك، يُظهر التعبير العبراني المستعمل في اشعياء ٩:٦ تمييزا محددا بين الابن واللّٰه. فهناك يُدعى الابن «الها قديرا»، ايل جَبُّور، لا «الها كلي القدرة.» وهذا التعبير في العبرانية هو ايل شَدَّاي وينطبق على نحو فريد على يهوه اللّٰه.
ولكن لاحظوا انه فيما يدعو يوستينوس الابنَ «الها،» لا يقول ابدا ان الابن هو واحد من ثلاثة اقانيم متساوية، كل منهم هو اله لكنَّ الثلاثة يشكِّلون الها واحدا. وبدلا من ذلك، يقول في الحوار مع تريفو الذي له:
«هنالك . . . اله وربٌّ آخر [يسوع قبل بشريته] خاضع لصانع كل الاشياء [اللّٰه الكلي القدرة]؛ الذي [الابن] يُدعى ايضا ملاكا، لأنه [الابن] يعلن للناس كل ما يرغب صانع كل الاشياء — الذي لا يوجد اله آخر فوقه — ان يعلن لهم. . . .
«[الابن] متميز من ذاك الذي صنع كل الاشياء، — اعني عدديا، وليس [متميزا] في الارادة.»١١
وتوجد فقرة مثيرة للاهتمام في الدفاع الاول ليوستينوس، الفصل ٦، حيث يحاجّ ضد التهمة الوثنية بأن المسيحيين ملحدون. فهو يكتب:
«كلاهما هو [اللّٰه]، والابن (الذي انبثق منه وعلَّمنا هذه الاشياء، وحشد الملائكة الصالحين الآخرين الذين يتبعون [اللّٰه] وهم مصنوعون على صورته)، والروح النبوي، نعبد ونوقِّر.»١٢
ويعلِّق مترجم لهذه الفقرة، برنهارت لوسي: «كما لو انه لم يكن كافيا ان تُذكر الملائكة في هذه القائمة ككائنات يُكرمها ويعبدها المسيحيون، لا يتردد يوستينوس في ان يذكر الملائكة قبل تسمية الروح القدس.»١٣ — انظروا ايضا مقالة حول تطور العقيدة المسيحية.١٤
وهكذا، فيما يظهر ان يوستينوس الشهيد حاد عن عقيدة الكتاب المقدس النقية في مسألة من يجب ان يكون هدف العبادة المسيحية، من الواضح انه لم ينظر الى الابن بصفته مساويا للآب، تماما كما لم تجرِ اعتبار الملائكة مساوين للّٰه. وفي ما يتعلق بيوستينوس، نقتبس ثانية من كنيسة القرون الثلاثة الاولى للامسون:
«نظر يوستينوس الى الابن كمتميز من اللّٰه، وأدنى منه: متميز، ليس، بالمعنى العصري، بصفته يشكِّل واحدا من ثلاثة اقانيم، او اشخاص، . . . بل متميز في الجوهر والطبيعة؛ اذ يملك كيانا واقعيا، جوهريا، فرديا، منفصلا عن اللّٰه، الذي استمدَّ هو منه كلَّ قدراته وألقابه؛ اذ عيَّنه ثانيا له، وهو خاضع في كلِّ الاشياء لمشيئته. فالآب اسمى؛ والابن خاضع: الآب هو مصدر القدرة؛ والابن هو النائل: الآب ينشىء؛ والابن، كخادم او اداة له، ينفِّذ. انهما اثنان في العدد، ولكن يتفقان، او هما واحد، في المشيئة؛ مشيئة الآب تحث دائما الابن.»١٥
واضافة الى ذلك، لا يقول يوستينوس في ايّ مكان ان الروح القدس هو اقنوم مساوٍ للآب والابن. ولذلك لا يُمكن بأيّ معنى ان يُقال باستقامة ان يوستينوس علَّم ثالوث العالم المسيحي العصري.
ما علَّمه اقليمس
يدعو اقليمس الاسكندري (نحو السنة ١٥٠ الى السنة ٢١٥ بم) الابنَ «الها» ايضا. حتى انه يدعوه «خالقا،» تعبير لم يُستعمل قط في الكتاب المقدس بالاشارة الى يسوع. فهل عنى ان الابن كان مساويا في كل النواحي للخالق الكلي القدرة؟ كلا. فاقليمس كان يشير كما يظهر الى يوحنا ١:٣، حيث تقول عن الابن: «كل شيء به كان.»١٦ واستخدم اللّٰه الابن كوكيل في اعماله الخلقية. — كولوسي ١:١٥-١٧.
ويدعو اقليمس الاله الاسمى «اله وأبا ربنا يسوع»١٧ ويقول ان «الرب هو ابن الخالق.»١٨ ويقول ايضا: «ان اله الكل انما هو خالق عادل صالح واحد، والابن [هو] في الآب.»١٩ ولذلك كتب ان الابن لديه اله فوقه.
ويتكلَّم اقليمس عن اللّٰه بصفته «المانح الاول والوحيد للحياة الابدية، التي يعطينا اياها الابن، الذي تسلَّمها منه [اللّٰه].»٢٠ والمعطي الاصلي للحياة الابدية هو بوضوح اسمى من الشخص الذي كما لو انه يمرِّرها. وهكذا، يقول اقليمس ان اللّٰه «هو الاول، والاعلى.»٢١ وعلاوة على ذلك، يقول ان الابن «هو الاقرب الى ذاك الذي هو وحده الكلي القدرة» وإن الابن «ينظِّم كل الاشياء وفقا لمشيئة الآب.»٢٢ ومرة بعد اخرى يظهر اقليمس تفوق اللّٰه الكلي القدرة على الابن.
وفي ما يتعلق باقليمس الاسكندري، نقرأ في كنيسة القرون الثلاثة الاولى:
«يمكننا ان نقتبس فقرات عديدة من اقليمس التي فيها يجري تأكيد المرتبة الادنى للابن على نحو متميز. . . .
«يدهشنا ان يتمكن احد من قراءة اقليمس بانتباه عادي والتخيُّل لحظة واحدة انه اعتبر الابن مطابقا عدديا — واحدا — للآب. فطبيعته غير المستقلة والادنى، كما تبدو لنا، يُعترف بها في كل مكان. وآمن اقليمس بأن اللّٰه والابن هما متميزان عدديا؛ وبكلمات اخرى، كائنان، — الاول اسمى، والآخر خاضع.»٢٣
وعلاوة على ذلك، يمكن ان يُقال ثانية: حتى لو ظهر احيانا ان اقليمس يتجاوز ما يقوله الكتاب المقدس عن يسوع، فهو لم يتكلم في ايّ مكان عن ثالوث مؤلَّف من ثلاثة اقانيم متساوية في اله واحد. والمدافعون مثل تتيانوس، ثيوفيلوس، وأثيناڠوراس، الذين عاشوا بين زمن يوستينوس وذاك الذي لاقليمس، كانت لديهم افكار مماثلة. ويقول لامسون انهم «لم يكونوا ثالوثيين افضل من يوستينوس نفسه؛ اي انهم لم يؤمنوا بثلاثة متساوين غير منقسمين، بل علَّموا عقيدة مناقضة تماما لهذا الايمان.»٢٤
لاهوت ترتليانوس
كان ترتليانوس (نحو السنة ١٦٠ الى السنة ٢٣٠ بم) اول من يستعمل الكلمة اللاتينية ترينيتاس. وكما ذكر هنري تشادويك، اقترح ترتليانوس ان اللّٰه هو ‹جوهر واحد يكمن في ثلاثة اقانيم.›٢٥ ولكن، لا يعني ذلك انه كان يفكر في ثلاثة اقانيم متساوية وسرمدية. ولكنَّ افكاره اعتمدها كتَّاب لاحقون كانوا يعملون في اتجاه عقيدة الثالوث.
كان مفهوم ترتليانوس للآب، الابن، والروح القدس مختلفا جدا عن ثالوث العالم المسيحي، لأنه كان نصير المرؤوسية. واعتبر الابن خاضعا للآب. كتب في ضد هَرْموجانِس:
«لا يجب ان نفترض ان هنالك كائنا آخر غير اللّٰه وحده غير مولود وغير مخلوق. . . . فكيف يمكن لأي شيء، باستثناء الآب، ان يكون اقدم، ولهذا السبب انبل في الواقع، من ابن اللّٰه، الكلمة المولود الوحيد والمولود الاول؟ . . . ان [اللّٰه] الذي لم يتطلب صانعا ليمنحه الوجود، سيكون في المرتبة ارفع بكثير من تلك التي [للابن] الذي كان لديه مصدر لجلبه الى الوجود.»٢٦
وأيضا، يُظهر في ضد پراكسياس ان الابن مختلف عن اللّٰه الكلي القدرة وخاضع له بالقول:
«الآب هو الجوهر بكامله، أما الابن فهو انبثاق من الكل وبعض الكل، كما يعترف هو نفسه: ‹ابي اعظم مني.› . . . وهكذا فإن الآب متميز عن الابن، اذ يكون اعظم من الابن، لأن الذي يلِد هو واحد، والذي يولَد هو آخر؛ وأيضا، الذي يُرسِل هو واحد، والذي يُرسَل هو آخر؛ وثانية، الذي يصنع هو واحد، والذي يُصنع الشيء بواسطته هو آخر.»٢٧
ويذكر ترتليانوس ايضا في ضد هَرْموجانِس، انه كان هنالك وقت لم يكن فيه الابن موجودا كاقنوم، مظهرا انه لم ينظر الى الابن ككائن سرمدي بالمعنى عينه الذي للّٰه.»٢٨ وقال الكاردينال نيومان: «يجب ان يُعتبر ترتليانوس مُبدِعا [مؤمنا بعقائد غير قويمة] في ما يتعلق بعقيدة الولادة الازلية لربنا.»٢٩ وعن ترتليانوس، يعلن لامسون:
«هذا الفكر، او لوڠوس، كما دعاه اليونانيون، تغيَّر في ما بعد، كما اعتقد ترتليانوس، الى الكلمة، او الابن، اي كائن حقيقي، وُجد من الازل فقط كصفة للآب. ومع ذلك، عيَّن له ترتليانوس رتبة ادنى من الآب . . .
«اذا كان سيحاكَم استنادا الى ايّ تفسير مقبول عموما للثالوث في الوقت الحاضر، فإن محاولة انقاذ ترتليانوس من الادانة [كهرطوقي] ستكون امرا ميئوسا منه. فلم يكن ليتحمَّل الامتحان لحظة.»٣٠
لا ثالوث
اذا كنتم ستقرأون كل كلمات المدافعين، فستجدون انه على الرغم من انهم انحرفوا في بعض النواحي عن تعاليم الكتاب المقدس، لم يعلِّم ايّ منهم ان الآب، الابن، والروح القدس كانوا متساوين في السرمدية، القدرة، المركز، والحكمة.
ويصح ذلك ايضا في الكتَّاب الآخرين للقرنين الثاني والثالث، مثل ايرينايوس، هيپوليتس، اوريجانس، كبريانوس، ونواتيانوس. وبينما ساوى البعض بين الآب والابن في بعض النواحي، اعتبروا الابن في نواحٍ اخرى خاضعا للّٰه الآب. حتى ان ايًّا منهم لم يفكر انَّ الروح القدس مساوٍ للآب والابن. مثلا، يذكر اوريجانس (نحو السنة ١٨٥ الى السنة ٢٥٤ بم) ان ابن اللّٰه هو «المولود الاول من كل الخليقة» وأن الاسفار المقدسة «تميز انه اقدم كل اعمال الخلق.»٣١
ان الدرس الموضوعي لمراجع الكنيسة الباكرة هذه سيظهر ان عقيدة ثالوث العالم المسيحي لم تكن موجودة في زمنها. وكما يقول كنيسة القرون الثلاثة الاولى:
«ان العقيدة الشعبية العصرية للثالوث . . . لا تستمد ايّ دعم من كتابات يوستينوس: وهذه الملاحظة يمكن ان تمتد الى كل آباء ما قبل مجمع نيقية؛ اي الى كلِّ الكتَّاب المسيحيين للقرون الثلاثة بعد ميلاد المسيح. صحيح انهم يتكلمون عن الآب، الابن، والروح النبوي او القدس، ولكن لا كمتساوين، لا كجوهر عددي واحد، لا كثلاثة في واحد، بأيّ معنى يعترف به الثالوثيون. والعكس تماما هو الحقيقة. فعقيدة الثالوث، كما يشرحها هؤلاء الآباء، كانت مختلفة من حيث الاساس عن العقيدة العصرية. ونذكر ذلك كحقيقة قابلة للاثبات مثل اية حقيقة في تاريخ الآراء البشرية.»٣٢
وفي الواقع، قبل ترتليانوس لم يكن الثالوث مذكورا ايضا. وكانت عقيدة الثالوث ‹البدعة› لترتليانوس مختلفة جدا عما يُؤمَن به اليوم. اذًا، كيف تطورت عقيدة الثالوث كما تُفهم اليوم؟ وهل كان ذلك في مجمع نيقية في السنة ٣٢٥ بم؟ سنفحص هذين السؤالين في الجزء ٤ من هذه السلسلة في عدد مقبل من برج المراقبة.
المراجع:
1. A Short History of the Early Church, by Harry R. Boer, 1976, page 110.
2. The Formation of Christian Dogma, by Martin Werner, 1957, page 125.
3. The Search for the Christian Doctrine of God, by R. P. C. Hanson, 1988, page 64.
4. The Church of the First Three Centuries, by Alvan Lamson, 1869, pages 70-1.
5. Gods and the One God, by Robert M. Grant, 1986, pages 109, 156, 160.
6. The Formation of Christian Dogma, pages 122, 125.
7. The International Standard Bible Encyclopedia, 1982, Volume 2, page 513.
8. An Essay on the Development of Christian Doctrine, by John Henry Cardinal Newman, Sixth Edition, 1989, pages 14-18.
9. The Ante-Nicene Fathers, edited by Alexander Roberts and James Donaldson, American Reprint of the Edinburgh Edition, 1885, Volume I, page 264.
10. Ibid., page 184.
11. The Ante-Nicene Fathers, Volume 1, page 223.
12. Ibid., page 164.
13. A Short History of Christian Doctrine, by Bernhard Lohse, translated from the German by F. Ernest Stoeffler, 1963, second paperback printing, 1980, page 43.
14. An Essay on the Development of Christian Doctrine, page 20.
15. The Church of the First Three Centuries, pages 73-4, 76.
16. The Ante-Nicene Fathers, Volume II, page 234.
17. Ibid., page 227.
18. Ibid., page 228.
19. Ibid.
20. Ibid., page 593.
21. Ibid.
22. Ibid., page 524.
23. The Church of the First Three Centuries, pages 124-5.
24. Ibid., page 95.
25. The Early Church, by Henry Chadwick, 1980 printing, page 89.
26. The Ante-Nicene Fathers, Volume III, page 487.
27. Ibid., pages 603-4.
28. Ibid., page 478.
29. An Essay on the Development of Christian Doctrine, pages 19, 20.
30. The Church of the First Three Centuries, pages 108-9.
31. The Ante-Nicene Fathers, Volume IV, page 560.
32. The Church of the First Three Centuries, pages 75-6.
[الصورة في الصفحة ٢٧]
اقليمس
[مصدر الصورة]
Historical Pictures Service
[الصورة في الصفحة ٢٨]
ترتليانوس
[مصدر الصورة]
Historical Pictures Service