مكتبة برج المراقبة الإلكترونية
برج المراقبة
المكتبة الإلكترونية
العربية
  • الكتاب المقدس
  • المطبوعات
  • الاجتماعات
  • بص «كَنْعان» رقم ١ ف ١-‏رقم ٢ ف ٣١
  • كَنْعان

لا تتوفر فيديوات للجزء الذي اخترته.‏‏

عذرًا، حصل خطأ عند تشغيل الفيديو.‏

  • كَنْعان
  • بصيرة في الاسفار المقدسة
  • مواد مشابهة
  • لماذا شنَّ اللّٰه حربا على الكنعانيين؟‏
    برج المراقبة تعلن ملكوت يهوه —‏ ٢٠١٠
  • حام
    بصيرة في الاسفار المقدسة
  • الأمُورِيّ
    بصيرة في الاسفار المقدسة
  • الحِوِّيّون
    بصيرة في الاسفار المقدسة
المزيد
بصيرة في الاسفار المقدسة
بص «كَنْعان» رقم ١ ف ١-‏رقم ٢ ف ٣١

كَنْعان

‏[ارض التجارة؛‏ ارض التاجر]،‏ الكَنْعانيّ:‏

١-‏ حفيد نوح والابن الوارد اسمه رابعا بين ابناء حام.‏ (‏تك ٩:‏١٨؛‏ ١٠:‏٦؛‏ ١ اخ ١:‏٨‏)‏ ومنه تحدرت ١١ قبيلة استقرت في النهاية بالمنطقة الواقعة على طول شرق البحر المتوسط بين مصر وسورية،‏ ولذلك دعيت المنطقة «ارض كنعان».‏ —‏ تك ١٠:‏​١٥-‏١٩؛‏ ١ اخ ١٦:‏١٨‏؛‏ انظر الرقم ٢.‏

على اثر حادثة سكر نوح،‏ حلت على كنعان لعنة نبوية تلفظ بها نوح.‏ وكان كنعان سيصبح بموجبها عبدا لسام ويافث.‏ (‏تك ٩:‏​٢٠-‏٢٧‏)‏ وبما ان السجل لا يقول اكثر من ان ‹حامًا ابا كنعان ابصر عورة ابيه وأخبر اخويه خارجا›،‏ ينشأ سؤال عن سبب استنزال اللعنة على كنعان لا على حام.‏ تقول حاشية في ترجمة رذرهام،‏ في التعليق على التكوين ٩:‏٢٤ (‏التي تقول انه عندما استيقظ نوح من خمره «عرف ما فعل به ابنه الاصغر»‏‏)‏:‏ «لا شك ان المقصود هو كنعان لا حام.‏ لقد بورك سام ويافث لتقواهما،‏ ولُعن كنعان لعمل دنيء غير مذكور،‏ وأُهمل حام لإهماله».‏ وبشكل مماثل،‏ يرد في المطبوعة اليهودية الپانتاتيُك وهافطاراه ان الرواية المقتضبة «تشير الى فعلة مشينة يبدو ان كنعان تورط فيها».‏ (‏تحرير ج.‏ ه‍.‏ هيرتز،‏ لندن،‏ ١٩٧٢،‏ ص ٣٤)‏ وبعد القول ان الكلمة العبرانية المترجمة «ابن» في العدد ٢٤ يمكن ان تعني «حفيد»،‏ يذكر هذا المرجع:‏ «لا شك ان الاشارة هي الى كنعان».‏ وجاء ايضا في ذا سونسينو كوماش ان البعض يرون ان كنعان «ارتكب عملا فاسقا منحرفا تجاه [نوح]»،‏ وأن عبارة «ابنه الاصغر» تشير الى كنعان الذي كان اصغر بني حام.‏ —‏ تحرير أ.‏ كوهِن،‏ لندن،‏ ١٩٥٦،‏ ص ٤٧.‏

هذه الآراء هي تخمينية دون شك،‏ لأن سجل الكتاب المقدس لا يورد اية تفاصيل عن تورط كنعان في الاساءة الى نوح.‏ ولكن يبدو انه كان بالفعل متورطا بشكل من الاشكال،‏ وذلك لأنه قبل سرد حادثة سكر نوح مباشرة،‏ يؤتى على ذكر كنعان بشكل مفاجئ في الرواية (‏تك ٩:‏١٨‏)‏،‏ كما يقال عن حام انه «ابو كنعان» خلال سرد الامور التي فعلها.‏ (‏تك ٩:‏٢٢‏)‏ ومن المنطقي الاستنتاج ان عبارة ‹ابصر عورة ابيه› يمكن ان تشير الى اساءة او عمل منحرف تورط فيه كنعان.‏ فعندما يتحدث الكتاب المقدس عن ‹كشف› او ‹رؤية عورة› شخص آخر،‏ يقصد بذلك في معظم الحالات سفاح القربى او خطايا جنسية اخرى.‏ (‏لا ١٨:‏​٦-‏١٩؛‏ ٢٠:‏١٧‏)‏ لذلك من الممكن ان يكون كنعان قد اساء،‏ او حاول الاساءة،‏ الى نوح غير الواعي بطريقة ما،‏ وأن حامًا (‏العالِم بالامر)‏ لم يمنع حدوث ذلك او لم يتخذ اجراء تأديبيا بحق المسيء.‏ وقد زاد حام من جسامة الخطإ حين اخبر اخويه بعار نوح.‏

ويجب ايضا اخذ العنصر النبوي للعنة في الاعتبار.‏ فلا شيء يشير الى ان كنعان نفسه صار عبدا لسام او يافث في حياته.‏ ولكن كان لعلم اللّٰه السابق دور في المسألة.‏ وبما ان اللعنة التي تلفظ بها نوح كانت بوحي الهي وبما ان اللّٰه لا يعبّر عن عدم رضاه دون سبب وجيه،‏ يُحتمل ان يكون كنعان قد اعرب عن ميل فاسد بشكل واضح،‏ ميل ذي طبيعة شهوانية،‏ ويُحتمل ان اللّٰه رأى مسبقا النتائج السلبية التي ستؤول اليها هذه النزعة لدى المتحدرين من كنعان.‏ لقد لاحظ يهوه،‏ في قضية قايين سابقا،‏ وجود موقف قلبي خاطئ وحذّر قايين من خطر تسلط الخطية عليه.‏ (‏تك ٤:‏​٣-‏٧‏)‏ كما لم يخفَ عليه الميل الشرير غير القابل للاصلاح لدى اغلبية الناس قبل الطوفان،‏ الامر الذي دعا الى اهلاكهم.‏ (‏تك ٦:‏٥‏)‏ والدليل الاوضح على صواب اللعنة المستنزلة على كنعان يُرى من تاريخ المتحدرين منه.‏ فالكتاب المقدس والتاريخ الدنيوي يشهدان على السجل القذر المليء بالفساد الادبي والفسق الذي صنعوه لأنفسهم.‏ وقد تمت اللعنة على كنعان بعد نحو ثمانية قرون من التلفظ بها حين اخضع الاسرائيليون الساميون المتحدرين من كنعان،‏ وكذلك حين وقع لاحقا هؤلاء المتحدرون تحت نفوذ الدول العالمية اليافثية:‏ مادي وفارس،‏ اليونان،‏ وروما.‏

٢-‏ يطلَق الاسم كنعان ايضا على العرق المتحدر من ابن حام وعلى الارض التي سكن فيها.‏ و «كنعان» هو الاسم الاقدم والاصلي الذي دعيت به الارض الواقعة غرب نهر الاردن في فلسطين (‏عد ٣٣:‏٥١؛‏ ٣٥:‏​١٠،‏ ١٤‏)‏،‏ مع العلم ان الاموريين الكنعانيين اجتاحوا شرق الاردن في وقت ما قبل الاحتلال الاسرائيلي.‏ —‏ عد ٢١:‏​١٣،‏ ٢٦‏.‏

حدودها وتاريخها القديم:‏ يتبين من اقدم وصف لحدود كنعان ان هذه الارض امتدت من صيدون في الشمال حتى جرار قرب غزة في الجنوب الغربي وسدوم والمدن المجاورة في الجنوب الشرقي.‏ (‏تك ١٠:‏١٩‏)‏ ولكن يبدو ان سدوم و «مدن الدائرة» الاخرى لم تكن تُعتبر في ايام ابراهيم جزءا من كنعان.‏ (‏تك ١٣:‏١٢‏)‏ ويظهر ايضا ان منطقتي ادوم وموآب المذكورتين لاحقا،‏ اللتين سكنهما متحدرون من ابراهيم ولوط،‏ اعتُبرتا ايضا خارج كنعان.‏ (‏تك ٣٦:‏​٦-‏٨؛‏ خر ١٥:‏١٥‏)‏ اما ارض كنعان التي وُعدت بها امة اسرائيل فتُحدَّد بتفصيل اشمل في سفر العدد ٣٤:‏​٢-‏١٢‏.‏ ويتضح ان حدودها الشمالية بدأت في مكان ما شمال صيدون وامتدت جنوبا حتى «وادي مصر» وقادِش برنيع.‏ ومع ان الفلسطيين،‏ وهم شعب غير كنعاني (‏تك ١٠:‏​١٣،‏ ١٤‏)‏،‏ سكنوا المنطقة الساحلية الواقعة جنوب سهل شارون،‏ كانت هذه المنطقة ايضا «تُحسب» ارضا كنعانية.‏ (‏يش ١٣:‏٣‏)‏ كما ان قبائل اخرى،‏ مثل القينيين (‏الذين ارتبطت عشيرة منهم لاحقا بمديان؛‏ عد ١٠:‏٢٩؛‏ قض ١:‏١٦‏)‏ والعماليقيين (‏المتحدرين من عيسو؛‏ تك ٣٦:‏١٢‏)‏،‏ كانت متغلغلة في تلك الارض.‏ —‏ تك ١٥:‏​١٨-‏٢١؛‏ عد ١٤:‏٤٥‏.‏

لا يُذكر في الكتاب المقدس ما اذا كان المتحدرون من كنعان قد هاجروا الى هذه الارض واستقروا بها مباشرة بعد تبدد الشعوب من بابل (‏تك ١١:‏٩‏)‏،‏ او انهم رافقوا الحاميين الذين انتقلوا بمعظمهم الى افريقيا،‏ ثم شقوا طريقهم رجوعا الى المنطقة الفلسطينية.‏ على اية حال،‏ بحلول سنة ١٩٤٣ ق‌م التي فيها غادر ابراهيم حاران في فدان ارام متجها الى تلك الارض،‏ كان الكنعانيون يسكنون هناك،‏ وكان لإبراهيم بعض التعاملات مع الاموريين والحثيين على السواء.‏ (‏تك ١١:‏٣١؛‏ ١٢:‏​٥،‏ ٦؛‏ ١٣:‏٧؛‏ ١٤:‏١٣؛‏ ٢٣:‏​٢-‏٢٠‏)‏ وقد وعد يهوه اللّٰه ابراهيم مرارا بأن نسله،‏ او المتحدرين منه،‏ سيرثون هذه الارض؛‏ وأمره بأن ‹يطوف في الارض طولها وعرضها›.‏ (‏تك ١٢:‏٧؛‏ ١٣:‏​١٤-‏١٧؛‏ ١٥:‏​٧،‏ ١٣-‏٢١؛‏ ١٧:‏٨‏)‏ وعلى اساس هذا الوعد وبدافع الاحترام للعنة الالهية،‏ حرص ابراهيم ألا تكون زوجة ابنه اسحاق كنعانية.‏ —‏ تك ٢٤:‏​١-‏٤‏.‏

ان السهولة النسبية التي تمكن بها ابراهيم،‏ ثم اسحاق ويعقوب،‏ من التنقل في ارجاء الارض بقطعان ابقارهم وأغنامهم الكبيرة تدل على ان المنطقة لم تكن بعدُ كثيفة السكان.‏ (‏قارن تك ٣٤:‏٢١‏.‏)‏ كما تؤكد الابحاث الاثرية على قلة وجود المستوطنات البشرية هناك في ذلك الوقت،‏ اذ كانت معظم البلدات تقع على طول الساحل وفي منطقة البحر الميت ووادي الاردن وسهل يزرعيل.‏ وعن فلسطين في اوائل الالف الثاني ق‌م،‏ يقول و.‏ ف.‏ ألبرايت ان منطقة التلال لم تستقر بها عموما مجتمعات حضرية،‏ ولذلك لا يخطئ تقليد الكتاب المقدس حين يقول ان الآباء الاجلاء كانوا يطوفون في تلال وسط فلسطين وفي الاراضي المجدبة الى الجنوب،‏ حيث كان يوجد متسع كبير لهم.‏ (‏آثار فلسطين والكتاب المقدس،‏ ١٩٣٣،‏ ص ١٣١-‏١٣٣ ]بالانكليزية[)‏ ومن الواضح ان كنعان كانت خاضعة آنذاك للنفوذ والسيطرة العيلامية (‏وبالتالي السامية)‏،‏ كما يُرى من سجل الكتاب المقدس في التكوين ١٤:‏​١-‏٧‏.‏

خيّم ابراهيم وإسحاق ويعقوب عند بلدات مثل شكيم (‏تك ١٢:‏٦‏)‏،‏ بيت ايل وعاي (‏تك ١٢:‏٨‏)‏،‏ حبرون (‏تك ١٣:‏١٨‏)‏،‏ جرار (‏تك ٢٠:‏١‏)‏،‏ وبئر سبع (‏تك ٢٢:‏١٩‏)‏.‏ ومع ان الكنعانيين لم يعربوا عن عداء كبير نحو الآباء العبرانيين الاجلاء كما يبدو،‏ لا شك ان الحماية الالهية شكلت العامل الرئيسي الذي حال دون الاعتداء عليهم.‏ (‏مز ١٠٥:‏​١٢-‏١٥‏)‏ وهكذا،‏ بعدما هاجم ابناء يعقوب مدينة شكيم الحوية،‏ كان «رعب اللّٰه» الذي حل بالمدن المجاورة هو ما منعهم من ‹السعي وراء بني يعقوب›.‏ —‏ تك ٣٣:‏١٨؛‏ ٣٤:‏٢؛‏ ٣٥:‏٥‏.‏

يُظهر التاريخ الدنيوي ان مصر هيمنت على كنعان طوال قرنين تقريبا قبل الاجتياح الاسرائيلي.‏ وخلال هذه الفترة،‏ قام الحكام الخاضعون لمصر في سورية وفلسطين بإرسال رسائل (‏تُعرف بألواح تل العمارنة)‏ الى الفرعونين امنحوتب الثالث وأخناتون.‏ وتعطي هذه الرسائل فكرة عن مدى اتساع الصراع القائم بين المدن وكثرة المؤامرات السياسية في المنطقة.‏ وفي زمن وصول اسرائيل الى حدود كنعان (‏١٤٧٣ ق‌م)‏،‏ كانت عدة دول-‏مدن او ممالك صغيرة تتقاسم الارض،‏ الا انها بقيت تعرب عن بعض التضامن الذي تحتمه العلاقات القبلية.‏ والجواسيس الذين استكشفوا الارض قبل ٤٠ سنة تقريبا وجدوا ارضها غنية بالثمار ومدنها حصينة جدا.‏ —‏ عد ١٣:‏​٢١-‏٢٩‏؛‏ قارن تث ٩:‏١؛‏ نح ٩:‏٢٥‏.‏

توزُّع قبائل كنعان:‏ يبدو ان الاموريين احتلوا مكانة بارزة بين القبائل الكنعانية الـ‍ ١١ الساكنة في تلك الارض.‏ (‏تك ١٠:‏​١٥-‏١٩‏؛‏ انظر «‏الأمُورِيّ‏».‏)‏ وبالاضافة الى المنطقة التي استولوا عليها في باشان وجلعاد شرق الاردن،‏ تُظهر الاشارات الى الاموريين انهم كانوا شعبا قويا في المنطقة الجبلية لأرض كنعان،‏ في شمالها وجنوبها على السواء.‏ (‏يش ١٠:‏٥؛‏ ١١:‏٣؛‏ ١٣:‏٤‏)‏ وربما كان الحثيون ثاني الاموريين قوة.‏ ومع انهم وُجدوا ايام ابراهيم في حبرون جنوبا (‏تك ٢٣:‏​١٩،‏ ٢٠‏)‏،‏ يبدو ان وجودهم تركز لاحقا في الشمال ناحية ارام.‏ —‏ يش ١:‏٤؛‏ قض ١:‏​٢٣-‏٢٦؛‏ ١ مل ١٠:‏٢٩‏.‏

وفي ما عدا الاموريين والحثيين،‏ فإن اكثر القبائل المذكورة وقت احتلال اسرائيل للارض هي قبائل اليبوسيين والحويين والجرجاشيين.‏ ويتبين ان وجود اليبوسيين تركز في المنطقة الجبلية التي تحيط بأورشليم (‏عد ١٣:‏٢٩؛‏ يش ١٨:‏​١٦،‏ ٢٨‏)‏،‏ فيما كان الحويون موزعين بين جبعون جنوبا (‏يش ٩:‏​٣،‏ ٧‏)‏ وسفح جبل حرمون شمالا.‏ (‏يش ١١:‏٣‏)‏ اما الجرجاشيون فلا يحدَّد مكان سكنهم.‏

وفي ما يتعلق بالقبائل الست الباقية،‏ اي الصيدونيين والارواديين والحماتيين والعرقيين والسينيين والصماريين،‏ فيمكن ان يُشملوا بكلمة «الكنعانيين» الواسعة التي تُدرج كثيرا عند تعداد اسماء قبائل اخرى،‏ إلا اذا كانت هذه الكلمة مستخدمة لمجرد الاشارة الى مدن او مجموعات مؤلفة من خليط من السكان الكنعانيين.‏ (‏خر ٢٣:‏٢٣؛‏ ٣٤:‏١١؛‏ تث ٧:‏١؛‏ عد ١٣:‏٢٩‏)‏ ويبدو ان هذه القبائل الست سكنت بشكل رئيسي شمال المنطقة التي اجتاحها الاسرائيليون في البداية،‏ ولا يؤتى على ذكرهم بشكل خصوصي في رواية الاجتياح.‏

اجتياح اسرائيل لأرض كنعان:‏ (‏الخريطتان في المجلد ١،‏ ص X‏،‏ X‏)‏ في السنة الثانية للخروج من مصر،‏ قام الاسرائيليون بأول محاولة لاختراق الحدود الجنوبية لأرض كنعان،‏ وإنما بدون دعم الهي.‏ فهُزموا امام الكنعانيين وحلفائهم العماليقيين.‏ (‏عد ١٤:‏​٤٢-‏٤٥‏)‏ ونحو نهاية الـ‍ ٤٠ سنة من الهيمان في البرية،‏ تقدم الاسرائيليون من جديد نحو ارض الكنعانيين،‏ فهاجمهم ملك عراد في النقب.‏ لكن القوات الكنعانية مُنيت بهزيمة هذه المرة ودُمرت مدنها.‏ (‏عد ٢١:‏​١-‏٣‏)‏ ومع ذلك لم يكمل الاسرائيليون انتصارهم باجتياح الارض من الجنوب،‏ بل داروا حولها لكي يدخلوها من الشرق.‏ وهذا ما جعلهم في مواجهة مع مملكتي سيحون وعوج الاموريتين.‏ وبانهزام هذين الملكين صارت كل ارض باشان وجلعاد في يد الاسرائيليين،‏ بما فيها ٦٠ مدينة «محصنة بأسوار عالية،‏ وأبواب ومزاليج» في باشان وحدها.‏ (‏عد ٢١:‏​٢١-‏٣٥؛‏ تث ٢:‏٢٦–‏٣:‏١٠‏)‏ وكان لهزيمة هذين الملكين القويين تأثير مضعف في الممالك الكنعانية الواقعة غرب نهر الاردن.‏ كما «ذابت» قلوب الكنعانيين لما سمعوا ان امة اسرائيل عبرت بعد ذلك نهر الاردن بواسطة عجيبة دون ان تبتل اقدامهم.‏ ولذلك لم يهاجم الكنعانيون المخيم الاسرائيلي في الجلجال خلال فترة تعافي كثيرين من الذكور الاسرائيليين من الختان وكذلك خلال الاحتفال اللاحق بعيد الفصح.‏ —‏ يش ٢:‏​٩-‏١١؛‏ ٥:‏​١-‏١١‏.‏

بعدما صار لدى الاسرائيليين وفرة من الماء من الاردن ووفرة من الطعام من الارض التي اخذوها شرق الاردن،‏ اصبحت الجلجال تشكل قاعدة مناسبة لتنطلق منها عملية اجتياح الارض.‏ وكان هدف الاسرائيليين الاول مدينة اريحا الاقرب اليهم والواقعة في اطراف ارض كنعان.‏ ومع انها أُغلقت بإحكام،‏ سقطت اسوارها العظيمة بقدرة يهوه.‏ (‏يش ٦:‏​١-‏٢١‏)‏ ثم صعدت القوات الغازية مسافة ٠٠٠‏,١ متر (‏٣٠٠‏,٣ قدم)‏ تقريبا في المنطقة الجبلية الواقعة شمال اورشليم،‏ واستولت على عاي وأحرقتها بعدما هُزمت في المحاولة الاولى.‏ (‏يش ٧:‏​١-‏٥؛‏ ٨:‏​١٨-‏٢٨‏)‏ وفي حين بدأت الممالك الكنعانية في كل انحاء الارض تشكل ائتلافا ضخما لصد الاسرائيليين،‏ صنعت بعض المدن الحوية سلاما مع اسرائيل عن طريق الحيلة.‏ ولا شك ان انشقاق جبعون وثلاث مدن مجاورة اخرى اعتُبر في نظر الممالك الكنعانية الاخرى عمل خيانة يعرّض وحدة كامل ‹التحالف الكنعاني› للخطر.‏ ولذلك اتحد خمسة ملوك كنعانيين،‏ لا ليحاربوا اسرائيل بل جبعون،‏ لكن جيش اسرائيل بقيادة يشوع سار طوال الليل ليصل الى المدينة المحاصرة وينقذها.‏ وقد صحب انتصار يشوع على الملوك المهاجِمين الخمسة انهمار حجارة برَد عظيمة بشكل عجائبي وتأخير اللّٰه غروب الشمس.‏ —‏ يش ٩:‏​١٧،‏ ٢٤،‏ ٢٥؛‏ ١٠:‏​١-‏٢٧‏.‏

بعد ذلك اكتسح جيش اسرائيل المنتصر كامل النصف الجنوبي لأرض كنعان (‏باستثناء سهول فلسطية)‏،‏ واستولوا على مدن شفيلة والمنطقة الجبلية والنقب،‏ ثم عادوا الى قاعدة معسكرهم في الجلجال قرب الاردن.‏ (‏يش ١٠:‏​٢٨-‏٤٣‏)‏ عندئذ بدأ الكنعانيون في القسم الشمالي من الارض،‏ بقيادة ملك حاصور،‏ يحشدون جيوشهم ومركباتهم الحربية،‏ والتقت قواتهم في موعد عند مياه ميروم شمال بحر الجليل.‏ لكن جيش يشوع شن هجوما مفاجئا على قوات التحالف الكنعاني الذين لاذوا بالفرار،‏ ثم تابع زحفه ليستولي على مدنهم وصولا الى بعل جاد عند سفح جبل حرمون شمالا.‏ (‏يش ١١:‏​١-‏٢٠‏)‏ ولا بد ان الحملة دامت فترة طويلة من الوقت،‏ وقد تبعها هجوم آخر في المنطقة الجبلية في الجنوب شُن على العناقيين الضخام الجثة وعلى مدنهم.‏ —‏ يش ١١:‏​٢١،‏ ٢٢‏؛‏ انظر «العَناقِيّون».‏

كانت قد مرت ست سنوات على بدء القتال.‏ واحتُل القسم الاكبر من ارض كنعان.‏ وسُحقت قوة القبائل الكنعانية بشكل اتاح الشروع في تقسيم الارض بين اسباط اسرائيل.‏ (‏انظر «تخم».‏)‏ ولكن بقي عدد من الاماكن التي يلزم اخضاعها،‏ وشمل ذلك مناطق بارزة كأرض الفلسطيين الذين (‏رغم عدم كونهم كنعانيين)‏ كانوا مغتصبين للارض التي وعد بها اللّٰه الاسرائيليين،‏ ارض الجشوريين (‏قارن ١ صم ٢٧:‏٨‏)‏،‏ الارض الممتدة من المنطقة حول صيدون وصولا الى جبال (‏بيبلوس)‏ شمالا،‏ وكل منطقة لبنان.‏ (‏يش ١٣:‏​٢-‏٦‏)‏ وإلى جانب هذه،‏ وُجدت جيوب مقاومة متفرقة في ارجاء الارض.‏ وقد تمكنت اسباط اسرائيل التي ورثت الارض من اخضاع البعض منها،‏ في حين لم تؤخذ جيوب اخرى او سُمح ببقائها انما أُجبرت على العمل بالسخرة للاسرائيليين.‏ —‏ يش ١٥:‏​١٣-‏١٧؛‏ ١٦:‏١٠؛‏ ١٧:‏​١١-‏١٣،‏ ١٦-‏١٨؛‏ قض ١:‏​١٧-‏٢١،‏ ٢٧-‏٣٦‏.‏

صحيح ان كثيرين من الكنعانيين لم يهلكوا في الاجتياح الرئيسي للارض وقاوموا إخضاع اسرائيل لهم،‏ ولكن يمكن القول ان ‹يهوه اعطى اسرائيل كل الارض التي حلف ان يعطيها لآبائهم›،‏ وإنه ‹اراحهم من كل جهة›،‏ وإنه «لم يسقط وعد واحد من جميع الوعود الصالحة التي وعد بها يهوه بيت اسرائيل،‏ بل الكل تم».‏ (‏يش ٢١:‏​٤٣-‏٤٥‏)‏ لقد كانت كل الامم المعادية حول الاسرائيليين تعيش في خوف،‏ ولم تشكل اي خطر حقيقي على امنهم.‏ وكان اللّٰه قد ذكر قبلا انه سيطرد الكنعانيين «قليلا قليلا» لكيلا تكثر وحوش الحقل في الارض بعدما اقفرت فجأة.‏ (‏خر ٢٣:‏​٢٩،‏ ٣٠؛‏ تث ٧:‏٢٢‏)‏ ورغم تفوق آلة الحرب الكنعانية التي تضمنت مركبات حربية لها مناجل من حديد،‏ لا يمكن اعتبار اخفاق الاسرائيليين في السيطرة تماما على بعض الاراضي فشلا من جهة يهوه في تحقيق وعده.‏ (‏يش ١٧:‏​١٦-‏١٨؛‏ قض ٤:‏١٣‏)‏ فالسجل يُظهر ان المرات القليلة التي هُزم فيها الاسرائيليون كانت ناجمة عن عدم امانتهم هم.‏ —‏ عد ١٤:‏​٤٤،‏ ٤٥؛‏ يش ٧:‏​١-‏١٢‏.‏

لماذا قضى يهوه بإبادة الكنعانيين؟‏

تُظهر الرواية التاريخية ان سكان المدن الكنعانية التي غزاها الاسرائيليون أبيدوا بالكامل.‏ (‏عد ٢١:‏​١-‏٣،‏ ٣٤،‏ ٣٥؛‏ يش ٦:‏​٢٠،‏ ٢١؛‏ ٨:‏​٢١-‏٢٧؛‏ ١٠:‏​٢٦-‏٤٠؛‏ ١١:‏​١٠-‏١٤‏)‏ واستغل بعض النقاد هذا الامر ليصفوا الاسفار العبرانية،‏ او «العهد القديم»،‏ بأنها مفعمة بروح الوحشية والقتل غير المبرر.‏ ولكن من الواضح ان القضية هي قضية اعتراف او عدم اعتراف بسيادة اللّٰه على الارض وسكانها.‏ فقد نقل اللّٰه حق ملكية ارض كنعان الى ‹نسل ابراهيم›،‏ وفعل ذلك من خلال عهد مقترن بقسَم.‏ (‏تك ١٢:‏​٥-‏٧؛‏ ١٥:‏​١٧-‏٢١‏؛‏ قارن تث ٣٢:‏٨؛‏ اع ١٧:‏٢٦‏.‏)‏ لكن ما قصده اللّٰه تعدى مجرد طرد نزلاء حاليين او جعلهم يخلون الارض.‏ فقد اشتمل ايضا على حقه في التصرف ‹كديان كل الارض› (‏تك ١٨:‏٢٥‏)‏ وإصدار حكم الاعدام على مستحقيه،‏ اضافة الى حقه في فرض هذا الحكم ووضعه موضع التنفيذ.‏

ان الاحوال التي كانت سائدة في كنعان خلال الاجتياح الاسرائيلي تؤكد بشكل لا لبس فيه ان لعنة اللّٰه النبوية على كنعان هي مستحَقة.‏ فيهوه كان قد سمح بمرور ٤٠٠ سنة من ايام ابراهيم حتى ‹يكمل ذنب الاموريين›.‏ (‏تك ١٥:‏١٦‏)‏ وما يقوله السجل عن زوجتي عيسو الحثيتين —‏ انهما «كانتا مرارة روح لإسحاق ورفقة» حتى ان رفقة ‹مقتت حياتها بسببهما› —‏ يعطي دون شك فكرة عن الشر الذي كان منذ ذلك الوقت ظاهرا بين الكنعانيين.‏ (‏تك ٢٦:‏​٣٤،‏ ٣٥؛‏ ٢٧:‏٤٦‏)‏ وخلال القرون التي تلت،‏ غرقت ارض كنعان في ممارسات كريهة كالصنمية والفساد الادبي وسفك الدم.‏ وكانت الديانة الكنعانية دنيئة ومنحطة الى اقصى الحدود،‏ اذ كانت ‹سواريهم المقدسة› تمثل دون شك رموزا تتعلق بعبادة القضيب،‏ كما تضمن الكثير من شعائرهم التي مارسوها عند ‹المرتفعات› فسقا وفجورا جنسيا فاضحا.‏ (‏خر ٢٣:‏٢٤؛‏ ٣٤:‏​١٢،‏ ١٣؛‏ عد ٣٣:‏٥٢؛‏ تث ٧:‏٥‏)‏ واشتمل «عمل ارض كنعان» على سفاح القربى والسدومية والبهيمية،‏ ومن اجل ذلك تنجست الارض التي كانت بسبب هذا الاثم ‹ستتقيأ سكانها›.‏ (‏لا ١٨:‏​٢-‏٢٥‏)‏ كما اشتملت مكرهات الكنعانيين على ممارسة السحر والرقي والارواحية وتقديم الاولاد ذبائح بتمريرهم في النار.‏ —‏ تث ١٨:‏​٩-‏١٢‏.‏

كان بعل ابرز الآلهة التي عبدها الكنعانيون.‏ (‏قض ٢:‏​١٢،‏ ١٣‏؛‏ قارن قض ٦:‏​٢٥-‏٣٢؛‏ ١ مل ١٦:‏​٣٠-‏٣٢‏.‏)‏ وفي احد النصوص المصرية توصف كل من الإلاهات الكنعانية عشتورث (‏قض ٢:‏١٣؛‏ ١٠:‏٦؛‏ ١ صم ٧:‏​٣،‏ ٤‏)‏ وأشيرة وعناة بأنها إلاهة أمّ وبغيّ مقدسة على السواء،‏ مع المفارقة انها تبقى دائما بتولا (‏حرفيا:‏ «الإلاهات العظيمة التي تحمل ولا تلد»)‏.‏ ويبدو ان عبادتها اشتملت دائما على خدمات بغايا المعابد.‏ ولم تكن تلك الإلاهات رمزا الى الشهوة الجنسية وحسب بل رمزت ايضا الى العنف السادي والحرب.‏ ولهذا السبب تصوَّر الإلاهة عناة في ملحمة بعل التي وُجدت في أوغاريت بأنها تقتل رجالا في مذبحة ثم تزين نفسها برؤوسهم المتدلية وتربط ايديهم بحزامها وهي تخوض فرحانة في دمائهم.‏ والتماثيل الصغيرة للإلاهة عشتورث التي اكتُشفت في فلسطين هي على شكل امرأة عارية ذات اعضاء جنسية مضخمة بشكل فظ.‏ وفي ما يتعلق بعبادة القضيب بين الكنعانيين،‏ يذكر عالم الآثار و.‏ ف.‏ ألبرايت ان «الوجه الشهواني لعبادتهم،‏ في اسوإ اشكاله،‏ لا بد انه انحدر الى مستويات دنيئة للغاية من الانحطاط الاجتماعي».‏ —‏ علم الآثار والدين في اسرائيل،‏ ١٩٦٨،‏ ص ٧٦،‏ ٧٧؛‏ انظر «عشتورث»؛‏ «بعل» رقم ٤.‏

ومن بين ممارساتهم المُحِطة الاخرى نجد عادة تقديم الاولاد ذبائح.‏ ذكر ميريل ف.‏ أنغر:‏ «كشفت الحفريات في فلسطين عن وجود اكوام من رماد وبقايا هياكل عظمية لأطفال في مدافن تحيط بمذابح وثنية،‏ مما يشير الى مدى انتشار هذه الممارسة البغيضة والوحشية».‏ (‏علم الآثار والعهد القديم،‏ ١٩٦٤،‏ ص ٢٧٩ [بالانكليزية])‏ وجاء في موجز الكتاب المقدس لهالي (‏١٩٦٤،‏ ص ١٦١ [بالانكليزية])‏:‏ «مارس الكنعانيون عبادتهم بالانغماس امام آلهتهم في الفساد الادبي،‏ معتبرينه طقسا دينيا؛‏ ثم بتقديم ابكارهم ذبيحة لهذه الآلهة نفسها.‏ ويبدو ان ارض كنعان صارت،‏ الى درجة كبيرة،‏ اشبه بسدوم وعمورة على نطاق قومي.‏ .‏ .‏ .‏ هل كان لحضارة بمثل هذه القذارة والوحشية البغيضتين ايّ حق في الوجود مدة اطول؟‏ .‏ .‏ .‏ ان علماء الآثار الذين ينقبون في خرائب المدن الكنعانية يتعجبون كيف ان اللّٰه لم يهلكهم في وقت ابكر من ذلك».‏ —‏ الصورة في المجلد ١،‏ ص X‏.‏

كان يهوه قد استخدم حقه المطلق في تنفيذ حكم الاعدام في كل سكان كوكب الارض الاشرار في ايام الطوفان العالمي.‏ وفعل الامر نفسه مع كل دائرة مدينتي سدوم وعمورة بسبب ‹صراخ التشكي عليهما وخطيتهما الثقيلة›.‏ (‏تك ١٨:‏٢٠؛‏ ١٩:‏١٣‏)‏ كذلك نفّذ يهوه حكم الموت في جيش فرعون في البحر الاحمر.‏ وقضى ايضا على بيوت قورح والمتمردين الآخرين من الاسرائيليين انفسهم.‏ وفي هذه الحالات استخدم اللّٰه عوامل طبيعية لإنجاز مهمة الإهلاك.‏ بالتباين،‏ عيّن يهوه للاسرائيليين واجبا مقدسا وهو ان يكونوا اداته الرئيسية في تنفيذ الاحكام الالهية،‏ موجهين من رسوله الملائكي ومؤيدين بقوته العظيمة.‏ (‏خر ٢٣:‏​٢٠-‏٢٣،‏ ٢٧،‏ ٢٨؛‏ تث ٩:‏​٣،‏ ٤؛‏ ٢٠:‏​١٥-‏١٨؛‏ يش ١٠:‏٤٢‏)‏ وما كانت النتيجة ستختلف بالنسبة الى الكنعانيين لو اختار اللّٰه ان يهلكهم بواسطة ظاهرة طبيعية مثل فيضان او انفجار ناري او زلزال.‏ كما ان استخدام بشر لقتل الشعوب المحكوم عليها —‏ امر قد يبدو بغيضا جدا —‏ لا يجعل الاجراء الذي قضى به اللّٰه غير صائب.‏ (‏ار ٤٨:‏١٠‏)‏ وباستعمال هذه الادوات البشرية ضد «سبع امم اكثر وأقوى» من اسرائيل،‏ تعظمت قدرة يهوه وتبرهنت الوهيته.‏ —‏ تث ٧:‏١؛‏ لا ٢٥:‏٣٨‏.‏

لم يكن الكنعانيون غافلين عن الادلة الدامغة التي اكدت ان اسرائيل كان شعب اللّٰه المختار وأداته.‏ (‏يش ٢:‏​٩-‏٢١،‏ ٢٤؛‏ ٩:‏​٢٤-‏٢٧‏)‏ ولكن،‏ باستثناء راحاب وعائلتها ومدن الجبعونيين،‏ لم يطلب الذين هلكوا الرحمة ولا استفادوا من فرصة الهرب،‏ بل اختاروا ان يتقسوا في تمردهم على يهوه.‏ وهو لم يجبرهم على الخضوع والاستسلام لمشيئته المعلنة،‏ بل «ترك قلوبهم تعاند لخوض الحرب على اسرائيل،‏ لكي يحرمهم للهلاك،‏ فلا يلقوا عطفا،‏ بل يفنيهم» تنفيذا لدينونته عليهم.‏ —‏ يش ١١:‏​١٩،‏ ٢٠‏.‏

وفي ما يتعلق بإهلاك الكنعانيين،‏ تصرف يشوع بحكمة و «لم يهمل كلمة من كل ما امر به يهوه موسى».‏ (‏يش ١١:‏١٥‏)‏ اما الامة الاسرائيلية فلم تتبع مثاله الصالح ولم تُبِد بالكامل مصدر نجاسة الارض.‏ وبقاء الكنعانيين كان له تأثير مفسد في اسرائيل،‏ ولا شك انه ساهم على مر الوقت في موت اناس (‏هذا اذا لم نذكر الجرائم والفساد الادبي والصنمية)‏ تفوق اعدادهم الذين كانوا سيموتون عند ابادة كل الكنعانيين لو طُبق الامر الالهي بأمانة.‏ (‏عد ٣٣:‏​٥٥،‏ ٥٦؛‏ قض ٢:‏​١-‏٣،‏ ١١-‏٢٣؛‏ مز ١٠٦:‏​٣٤-‏٤٣‏)‏ وكان يهوه قد حذر الاسرائيليين من ان عدله وأحكامه لن تحابيهم،‏ وأنه اذا اقام الاسرائيليون علاقات مع الكنعانيين وصاهروهم ومارسوا الايمان الخليط وتبنوا عاداتهم الدينية وممارساتهم المنحطة،‏ فسيجلبون حتما على انفسهم قضاء الابادة الالهي عينه و ‹ستتقيأهم الارض› هم ايضا.‏ —‏ خر ٢٣:‏​٣٢،‏ ٣٣؛‏ ٣٤:‏​١٢-‏١٧؛‏ لا ١٨:‏​٢٦-‏٣٠؛‏ تث ٧:‏​٢-‏٥،‏ ٢٥،‏ ٢٦‏.‏

تذكر القضاة ٣:‏​١،‏ ٢ ان يهوه ترك بعضا من هذه الامم الكنعانية «ليمتحن بهم اسرائيل،‏ اي كل الذين لم يعرفوا حربا من حروب كنعان (‏وقد فعل ذلك لتكتسب اجيال بني اسرائيل الخبرة،‏ ولتعليم الحرب لمن لم يختبروا ذلك قبلا)‏».‏ لا يتعارض هذا مع ما قيل قبلا (‏قض ٢:‏​٢٠-‏٢٢‏)‏،‏ اي ان يهوه سمح لهذه الامم بالبقاء بسبب عدم امانة اسرائيل ولكي ‹يمتحن بهم اسرائيل ويرى هل يحفظون طريق يهوه›،‏ بل هو ينسجم معه ويُظهر ان الفرصة كانت ستتاح للاجيال اللاحقة من الاسرائيليين ليبرهنوا عن طاعتهم لوصايا اللّٰه بشأن الكنعانيين،‏ اذ كان ايمانهم سيُمتحن بتعريض حياتهم للخطر في الحرب لكي يثبتوا انهم طائعون.‏

بالنظر الى كل ما تقدّم،‏ من الواضح ان الرأي الذي يجاهر به بعض نقاد الكتاب المقدس،‏ اي ان اهلاك اسرائيل للكنعانيين لا ينسجم مع روح الاسفار اليونانية المسيحية،‏ لا يتفق مع الوقائع.‏ ويُرى ذلك عند مقارنة آيات مثل متى ٣:‏​٧-‏١٢؛‏ ٢٢:‏​١-‏٧؛‏ ٢٣:‏٣٣؛‏ ٢٥:‏​٤١-‏٤٦؛‏ مرقس ١٢:‏​١-‏٩؛‏ لوقا ١٩:‏​١٤،‏ ٢٧؛‏ روما ١:‏​١٨-‏٣٢؛‏ ٢ تسالونيكي ١:‏​٦-‏٩؛‏ ٢:‏٣‏؛‏ و الرؤيا ١٩:‏​١١-‏٢١‏.‏

تاريخهم اللاحق:‏ بعد احتلال الارض،‏ صار الوضع بين الكنعانيين والاسرائيليين يتجه تدريجيا نحو التعايش السلمي النسبي،‏ مع ان ذلك كان على حساب اسرائيل.‏ (‏قض ٣:‏​٥،‏ ٦‏؛‏ قارن قض ١٩:‏​١١-‏١٤‏.‏)‏ وفي حين نجح حكام اراميون وموآبيون وفلسطيون في إحكام قبضتهم وقتيا على الاسرائيليين،‏ لم يستعد الكنعانيون ما يكفي من القوة لإخضاع الاسرائيليين إلا في ايام يابين «ملك كنعان» الذي استمر يضايقهم ٢٠ سنة.‏ (‏قض ٤:‏​٢،‏ ٣‏)‏ وبعدما هُزم يابين لاحقا على يد باراق،‏ صارت مشاكل اسرائيل في فترة ما قبل المملكة تأتي بشكل رئيسي من جهات غير كنعانية:‏ المديانيين والعمونيين والفلسطيين.‏ كما ان الاموريين هم القبيلة الكنعانية الوحيدة التي يؤتى على ذكرها وبإيجاز في ايام صموئيل.‏ (‏١ صم ٧:‏١٤‏)‏ ورغم ان الملك داود طرد اليبوسيين من اورشليم (‏٢ صم ٥:‏​٦-‏٩‏)‏،‏ فإن الحملات العسكرية الكبرى التي شنها كانت ضد الفلسطيين والعمونيين والموآبيين والادوميين والعماليقيين والاراميين.‏ لذا يتبين ان الكنعانيين ما عادوا يشكلون خطرا عسكريا رغم انهم كانوا لا يزالون يملكون مدنا وأراضي في اسرائيل.‏ (‏٢ صم ٢٤:‏​٧،‏ ١٦-‏١٨‏)‏ ويُذكر اثنان من المحاربين الحثيين بين مقاتلي داود.‏ —‏ ١ صم ٢٦:‏٦؛‏ ٢ صم ٢٣:‏٣٩‏.‏

قام سليمان خلال فترة حكمه بتسخير بقية القبائل الكنعانية في مشاريعه الكثيرة (‏١ مل ٩:‏​٢٠،‏ ٢١‏)‏،‏ وامتدت اعماله العمرانية حتى مدينة حماة الكنعانية الشمالية البعيدة.‏ (‏٢ اخ ٨:‏٤‏)‏ ولكن بسبب الزوجات الكنعانيات،‏ سقط سليمان لاحقا وخسر وريثه قسما كبيرا من المملكة وانتشر الفساد الديني في الامة.‏ (‏١ مل ١١:‏​١،‏ ١٣،‏ ٣١-‏٣٣‏)‏ ويبدو ان الحثيين،‏ كقبيلة،‏ هم الوحيدون الذين حافظوا على قدر من التفوق والقوة من ايام مُلك سليمان (‏١٠٣٧-‏٩٩٨ ق‌م)‏ حتى حكم يهورام ملك اسرائيل (‏نحو ٩١٧-‏٩٠٥ ق‌م)‏،‏ رغم وقوع ارضهم كما يتبين الى الشمال من اسرائيل وبالقرب من ارام او ضمنها.‏ —‏ ١ مل ١٠:‏٢٩؛‏ ٢ مل ٧:‏٦‏.‏

بقيت مصاهرة الكنعانيين تشكل مشكلة بين الاسرائيليين العائدين من السبي البابلي (‏عز ٩:‏​١،‏ ٢‏)‏،‏ ولكن من الواضح ان الممالك الكنعانية (‏بما فيها ممالك الحثيين)‏ كانت قد اضمحلت نتيجة الاعتداءات الارامية والاشورية والبابلية.‏ وصارت كلمة «كنعان» تشير بشكل رئيسي الى فينيقية،‏ كما في نبوة اشعيا عن صور (‏اش ٢٣:‏​١،‏ ١١‏،‏ حاشية ك‌م‌م٨‏)‏ وكذلك في حالة المرأة ‹الفينيقية› (‏حرفيا،‏ ‹الكنعانية› [باليونانية،‏ خانانايا‏])‏ من نواحي صور وصيدون التي اقتربت الى يسوع.‏ —‏ مت ١٥:‏٢٢‏،‏ حاشية ك‌م‌م٨‏؛‏ قارن مر ٧:‏٢٦‏.‏

الاهمية التجارية والجيوسياسية:‏ شكلت كنعان صلة وصل تربط مصر بآ‌سيا،‏ وتحديدا اكثر ببلاد ما بين النهرين.‏ ومع ان اقتصاد البلاد كان قائما بشكل رئيسي على الزراعة،‏ تعاطى السكان التجارة ايضا،‏ وصارت مدينتا صور وصيدون الساحليتان مركزين تجاريين كبيرين،‏ وذاع صيت اساطيل سفنهما في كل ارجاء العالم المعروف آنذاك.‏ (‏قارن حز ٢٧‏.‏)‏ وكانت كلمة «كنعاني» قد اصبحت منذ ايام ايوب مرادفة لكلمة ‹تاجر›،‏ ولذلك يُترجم الجمع الى «ارباب التجارة» و «اهل التجارة».‏ (‏اي ٤١:‏٦؛‏ صف ١:‏١١‏؛‏ لاحظ ايضا استعمال عبارة «ارض كنعان» عند الاشارة الى بابل في حز ١٧:‏​٤،‏ ١٢‏.‏)‏ وهكذا شغلت كنعان مركزا استراتيجيا جدا في الهلال الخصيب.‏ وكانت هدف امبراطوريات عظمى في بلاد ما بين النهرين وآسيا الصغرى وإفريقيا،‏ امبراطوريات ارادت التحكم في التحركات العسكرية والتبادلات التجارية الجارية عبر ارض كنعان.‏ ووضع اللّٰه شعبه المختار في هذه الارض كان حتما سيلفت انظار الامم اليهم ويؤدي الى تأثيرات بعيدة المدى.‏ لذلك جازَ القول من الناحية الجغرافية،‏ والاهم ايضا من الناحية الدينية،‏ ان الاسرائيليين كانوا ساكنين «في وسط الارض».‏ —‏ حز ٣٨:‏١٢‏.‏

اللغة:‏ في حين يُظهر سجل الكتاب المقدس بوضوح ان الكنعانيين هم من اصل حامي،‏ تشير معظم المراجع الى انهم من اصل سامي.‏ ويعتمد هذا التصنيف على ادلة تُظهر ان الكنعانيين كانوا يتكلمون لغة سامية.‏ وأبرز دليل يُحتج به هو العدد الكبير من النصوص المكتوبة بلغة او لهجة سامية التي وُجدت في رأس شمرا (‏أوغاريت)‏،‏ والتي يُظن ان تاريخها يرجع الى القرن الـ‍ ١٤ ق‌م.‏ ولكن يبدو ان أوغاريت لم تكن تقع ضمن الحدود المرسومة لكنعان في الكتاب المقدس.‏ تذكر مقالة بقلم آ.‏ ف.‏ رايني في عالِم آثار الكتاب المقدس (‏١٩٦٥،‏ ص ١٠٥)‏ انه على اساس الادلة الاثنية والسياسية وعلى الارجح اللغوية،‏ «صار من الخطإ بشكل واضح ان تدعى أوغاريت مدينة ‹كنعانية›».‏ كما يورد رايني ادلة اضافية تظهر ان «أوغاريت وأرض كنعان شكلتا كيانين سياسيين منفصلين ومتميزين».‏ لذلك لا تشكل هذه الالواح دليلا قاطعا يُستند اليه لمعرفة اللغة التي تكلم بها الكنعانيون.‏

ان الكثير من ألواح تل العمارنة التي اكتُشفت في مصر اتى من مدن في كنعان،‏ وهذه الالواح التي تعود الى ما قبل الاجتياح الاسرائيلي كُتبت بشكل رئيسي بالبابلية المسمارية،‏ وهي لغة سامية.‏ لكن هذه كانت آنذاك اللغة الدبلوماسية في كل ارجاء الشرق الاوسط،‏ وقد استُعملت حتى عند الكتابة الى البلاط المصري.‏ وما يلفت النظر هو ما يورده قاموس المفسِّر للكتاب المقدس (‏تحرير ج.‏ أ.‏ باتريك،‏ ١٩٦٢،‏ المجلد ١،‏ ص ٤٩٥ [بالانكليزية])‏،‏ الذي يقول ان «رسائل تل العمارنة تتضمن براهين تدعم الرأي القائل ان عناصر اثنية غير ساميّة سكنت في فلسطين وسورية في تاريخ باكر،‏ وذلك لأن عددا من هذه الرسائل يتخلله تأثير لافت للغات غير الساميّة‏».‏ (‏إبراز الخط مضاف.‏)‏ وفي الواقع ليس معروفا بعد ما هي اللغة الاصلية التي تكلم بها سكان كنعان الاولون.‏

صحيح انه يبدو من رواية الكتاب المقدس نفسه ان ابراهيم والمتحدرين منه تمكنوا من التحدث الى سكان كنعان دون الحاجة الى مترجم،‏ وصحيح ان معظم اسماء البلدات والمدن التي احتلها الاسرائيليون كانت تحمل اصلا اسماء ساميّة (‏مع ان بعض الاماكن حملت اسماء غير ساميّة)‏،‏ لكن الملوك الفلسطيين في ايام ابراهيم،‏ ودون شك في ايام داود ايضا،‏ دُعوا «ابيمالك» (‏تك ٢٠:‏٢؛‏ ٢١:‏٣٢؛‏ مز ٣٤:‏العنوان‏)‏،‏ وهو اسم (‏او لقب)‏ ساميّ مئة في المئة،‏ ولا احد يزعم ان الفلسطيين هم من اصل ساميّ.‏ لذا يبدو انه خلال عدد من القرون التي تلت بلبلة الالسنة في بابل (‏تك ١١:‏​٨،‏ ٩‏)‏،‏ اخذت القبائل الكنعانية تستبدل لغتها الحاميّة الاصلية باللغة الساميّة.‏ وقد يكون ذلك بسبب احتكاكهم اللصيق بالشعوب الناطقة بالارامية في سورية نتيجة سيطرة بلاد ما بين النهرين على مدى فترة من الزمن،‏ او لأسباب اخرى غير معروفة الآن.‏ وهم بذلك لا يختلفون عن امم قديمة اخرى،‏ مثل الفرس القدماء الذين تبنوا لاحقا اللغة والكتابة الاراميتين الساميّتين مع انهم من اصل هندو-‏اوروبي (‏متحدرون من يافث)‏.‏

ان عبارة «لغة كنعان» الواردة في اشعيا ١٩:‏١٨ اشارت في ذلك الوقت (‏القرن الثامن ق‌م)‏ الى اللغة العبرانية،‏ التي كانت لغة البلاد الرئيسية.‏

‏[الصورة]‏

انصاب حجرية وُجدت في حاصور.‏ والنقش على النصب الاوسط قد يمثل تضرعا لإله القمر

    المطبوعات باللغة العربية (‏١٩٧٩-‏٢٠٢٥)‏
    الخروج
    الدخول
    • العربية
    • مشاركة
    • التفضيلات
    • Copyright © 2025 Watch Tower Bible and Tract Society of Pennsylvania
    • شروط الاستخدام
    • سياسة الخصوصية
    • إعدادات الخصوصية
    • JW.ORG
    • الدخول
    مشاركة